تاريخ سناط

 





سناط الفردوس المفقود
تأليف سعيد شامايا

القصد من هذه الكتابة 

ظلت سناط تشغل مساحة كبيرة في ذاكرتي . أحياناً كانت الهواجس تستفزني لأنتهز أي فرصة فأزورها متحدياً المصاعب والظروف ولم أقرر الكتابة عنها ( إضافة إلى ما في مذكرتي الخاصة ) إلا مؤخراً بعد أن استجدت ظروف ما بعد 1990م حيث شعرت وكأنني أحد أبنائها وعلى وشك أن أخسرها وأن أخسر أهلها ثم يكون الحرمان النهائي منها . هنا يصرخ الهاجس إلى متى يبقى الكل مكتوف الأيدي، أفعل ما بوسعك على الأقل وثق شيئاً قد يصبح سنداً أووثيقة . على الأقل ضع علامة على جبينها الذي علته الآن الأتربة وقسوة الطبيعة وهي مهجورة، ليكن وشم حب بعد ذلك ولتفعل الأيام فعلها . أو لتكن صرخة توقظ أبناءها فيتذكرون قريتهم الجميلة

بهذا المعنى فكرت حين وجدت أن القرية تعيش في عالم النسيان ومحبوها يتلاشون بتقادم السنين والعمر ومنهم من يودع إلى العالم الآخر ومنهم من يبتعد تبتلعه القارات الأخرى، وأن ما يسجل عنها بائس فهل يكون كثيراً على القرية الجميلة أن يوثق أحد أبنائها شيئاً يثبت هويتها وهي الآن على مفترق الطرق يقرر مصيرها أناس ربما لا يمتون بأية صلة بها . هناك أمر مهم آخر بالنسبة لأبنائها الذين تفرقوا في المعمورة وراء لقمة العيش يلهثون خلف مستقبل مجهول ناسين أرضهم وتاريخهم وكل الحكايات الجميلة وأحياناً مكابرين من تلقين أبنائهم ذلك التراث وتلك الموروثات التي دفنت في تلك الخرابات والشعاب الجميلة لا تحرسها إلا أرواح موتاهم هناك

أرجوأن تكون هذه الكتابة دعوة للأخوة ليرث الأبناء والأحفاد ذلك التراث، ويكونوا أمناء حريصين على تقديس هذه الأمانة، يسلمونها إلى الأجيال القادمة فتبقى الصلة وثيقة بالقرية وذكرياتها قد يدور الفلك وتأتي فرص فتعود سناط عروساً يشتهيها الأبناء حينها سيكونون مسلحين بتلك الذكريات، يقولونها صريحة نحن أبناؤك ولا زلنا نحتفظ بصورتك وذكرياتك في القلب

أملي أن يحذو الأخوة أبناء القرى الأخرى المهجورة حذوي ويوثقون شيئاً وأن كان متواضعاً عن قراهم تثبت للباقين أو القادمين من الأجيال في المستقبل حقهم في قراهم . أنها الأرض التي رعوها ودافعوا عنها وخسروا الأموال والدماء من أجلها فإخلاصا لمن ضحى وجاهد يحب أن نبقى أوفياء . والكتابة في هذه المواضيع مفيدة للوطن وللمجتمع إذ تخدم الوحدة الوطنية وتعطي كل ذي حق حقه فتبعد الناس عن الفوضى والارتباك خاصة إن ضاعت معالم حدود الملكيات والعقارات ومات من بإمكانه إثباتها، وقد تكون الوثائق التي تثبت ذلك مفقودة أوغير موجودة وتلك مشكلة أخرى وكبرى. عليه يجب أن يسعى الكل من أجل ذلك لتدون المعلومات التي يركن عليها المسؤولون حين يعطى الحق لأصحابه وتعود الحياة حلوة آمنة

 

هموم شخصية

كنت قد أعددت أوليات هذا الموضوع منذ سنة 1990م وبدأت الموضوع بقصيدة سريانية طويلة ( سيرد ذكرها في الصفحات الأخيرة ) عبرت فيها عن مشاعري وملاحظاتي عن سناط والحياة فيها والكثير عما ورد في هذه الكتابة، وحين استحسن الكثيرون من أبناء سناط الفكرة وجدت أن أقوم بكتابة الموضوع كدراسة وافية للقرية واعتبرت هذا الآمر واجباً ووفاءً مني للقرية التي أحببتها وأحببت أبناءها كأخوة أعزاء وسعيت دوماً أن أكون قريباً منهم خاصة بعد قيام نادي الإخاء الذي تربطني مع مؤسسيه علاقة طيبة، كوني كنت معلماً لبعضهم وصديقاً لهم في القرية، وقد انتميت إلى النادي منذ الأيام الأولى لتأسيسه وأؤكد دوماً أن ذلك النادي كان الحافز الفعال لتأسيس نادي بابل حين وجدت استعداداً من لدن أخوتي وزملائي من أبناء القوش الذين قدتهم إلى نادي الإخاء ورحنا نضع اللبنات الأولى لتأسيس نادي بابل الكلداني . ومرت سنين السبعينيات وقويت علاقتي بأبناء سناط الذين كانوا قد نزحوا من القرية منذ سنين طوال ولم أصادفهم أيام كنت معلماً في القرية

هكذا تشجعت لكتابة هذا الإسهام اعتماداً على أبناء سناط ليزودوني بالمعلومات وما تقتضيه الدراسة من معلومات تثري الموضوع وتجعله وافياً مؤهلاً ليكون وثيقة تصون أخبار وتاريخ القرية لأبنائها، وحين عرضت الفكرة على الأستاذ نوئيل فرمان، وبينت له بعض موضوعاتي حول القرية أعطاني مخطوطة الأستاذ جميل زيتو( سناط في الذاكرة ) وكنت قبل ذلك قد تعرفت إلى أحد طلابي ( جميل مرقص ورده ) الذي قادني إلى داره وقدمني إلى والده الذي تذكرني، ومن يومها راح الرجل يفتح لي خزين ذكرياته ومعلوماته التي بقيت في ذاكرته، والحقيقة وجدت الرجل دقيقاً ووفياً لقريته وأهله كما وجدته منصفاً مخلصاً للحقيقة، ومنذ تلك السنة رحت أعرض الأمر على كل من أجده من أبناء سناط في بغداد والموصل وزاخو وأطالبهم بالمزيد من المعلومات والذكريات والصور، ورحت أنتظر لكنني لم أظفر بشيء رغم أن الجميع استحسن الفكرة وشجعها، إلا أنهم لم يقدموا سوى الوعود رغم الانتظار الطويل مما أقنعني أن أكتفي بما حصلت عليه

بعدئذٍ شجعني السيد بطرس حنا كاكو صديقي في سناط وبغداد كما شجعتني الأخت زوجته يوم زارتنا في إحدى زياراتها إلى بغداد، أن أرسل مسودة من الكتاب إلى أمريكا / كاليفورنيا حيث يمتلك أبنها فاروق بطرس كاكو وأخوته مطابع حديثة يمكن أن يقوموا بطبعه، لذلك لجأت إلى طبع الكتاب على الآلة الطابعة وأرسلت نسخة أولى إلى صديقي بطرس، وبسبب انشغال الشباب وظروفهم التي أجهلها بقي أمر طبعه منسياً . لكنني بعد لقاء الأخوة في زاخو في شباط 2002م منهم جميل زيتو صديقي وطالبي شجعني أن أتحرك وأنجز المسودة ووعد الرجل أن يقوم بطبعه لكن مبادرة أحد أبناء السيد بطرس حنا وهو فؤاد كاكو وتعهده بتحمل كلف الطبع بادرت إلى إحياء الفكرة والمباشرة بالطبع أملاً أن تجد هذه المساهمة القبول من لدن أصدقائي من أبناء سناط وفاء للقرية التي عشقتها مع حبي ووفائي لأبنائها

 

موقع القرية

 

تقع سناط في محافظة دهوك، قضاء زاخو، ناحية السندي، التي مركزها قرية شرانش، موقعها الجغرافي في أقصى شمال العراق ومن ينظر خارطة العراق ويدقق في خارطة قضاء زاخو يجد مثلثاً في أقصى الشمال داخلاً في حدود تركيا، في قمة هذا المثلث الذي يشبه رقم ثمانية تقع سناط ولهذا المثلث حكاية مهمة سترد في كتابتنا هذه

تبعد سناط عن زاخو شمالاً بين 45 إلى 50 كيلو متراً، تفصلهما مرتفعات وسلاسل جبلية ووديان عميقة لا يقدر وعورتها أو صعوبتها إلا المسافر من زاخو إلى سناط بطريق القوافل، وأهم تلك العوارض الطبيعية جبل كيرا الذي يمتد سلسلة طويلة شمال زاخو تكسوه غابات البلوط والصنوبر وحبة الخضرة والدلب الذي غطي قعر الوديان الغنية بالمياه الهادرة، ولا يسع القوافل العنيدة إلا أن تسلك تلك الطرق الوعرة، أحياناً صخرية لا يزيد عرضها عن بضعة أقدام يرتفع إلى جانبها جدار صخري مرتفع وتطل من الجانب الآخر على هاوية لا يتبين المرء قرارها، والسالك لتلك الطرق لأول مرة، يعتريه الخوف فيبقى ملتصقاً بظهر دابته خائقا متوقعاً بين لحظة وأخرى السقوط والانهيار نحو الهاوية بينما تظل أقدام الدواب تصارع الصخر بإيقاع مقلق

يمكن الوصول إلى سناط من زاخو مباشرة عبر كيرا . كما يمكن الوصول إليها من زاخو إلى شرانش ( مركز الناحية ) بواسطة السيارات ثم إلى سناط عبر طريق غير معبد وبواسطة الحيوانات لكنه أقل صعوبة إذ يسلك خلال واد جميل يصل ( دشتا تاخ ) ثم كلي سناط

وهناك طريق ثالث من قرية أمرا ( دير شيش ) شرق قرية سناط ويستخدم هذا الطريق حين يصعب سلوك طريق الكلي بسبب الثلوج . كما لجأوا إليه عند حصول الانهيار الجبلي في مدخل الكلي الذي سد الطريق الرئيسي لفترة ما، لكن الطريق الثالث أكثر بعداً إلى زاخو. لوحاولنا أن نسلك الطريق الأول من زاخو نتيه شمالاً ونحن نعبر السهل الذي يفصل عن سلسلة كير، وقبل أن نصل كيرا هناك بعض المناطق المتموجة تتألف من مرتفعات صغيرة ووديان مثل ( جلالا ) ثم ( برزورة ) ثم (دشته ماسكن ) حتى نصل كيرا، والوصول إلى القمة يتطلب الجهد بمشقة وصعوبة مرهقة، وفي القمة ترتاح القوافل وتتزود بالماء من عين صافية تسمى ( أينا دكيرا ) ثم تنحدر القافلة وسط غابات كثيفة حتى تصل ينبوع الماء ( أفا توزي ) ثم الوادي الذي يفصل كيرا عن منطقة ( كال كالي ) التي هي أقل ارتفاعاً وهذه المناطق منقطعة عن القرى والطرق السالكة وكثيراً ما تحصل فيها حوادث السلب والقتل. وتستمر القافلة حتى تصل نهر (سينومري) وهو نهر صغير يصب في ( الهيزل ) قادماً من الشرق ( شرانش ) . بعد عبور النهر الذي ليس عميقاً تعترض المنطقة مسافة تكثر فيها التلول ترابها شبه كلسي وقد عملت الطبيعة حتى حولت الصخور إلى فتات من الحجارة الكلسية الناعمة ورديئة في السير، بعدها نصل ( دشتا تاخ ) التي تقع قرب نهر( الهيزل ) الذي يعتبر حدوداً بين تركيا والعراق

 

دشتا تاخ 

 

وهي قرية صغيرة تسكنها بعض العوائل التي تشرف على الحقول المحيطة بها وتستغلها في الزراعة وهم من أبناء سناط وقسم آخر من عوائل الشرطة المنسبة إلى المخفر الحدودي في دشتا تاخ

بعد دشتا تاخ تتجه القافلة شمالاً عابرة نهراً صغيراً ( نهير سناط ) وتسمى منطقة العبور هذه ( نهرته ) ثم تستمر القافلة صاعدة إلى منطقة تسمى ( خرابا ) وفي هذه المنطقة آثار لقرية قديمة يقال أن أجداد سناط سكنوها ومنها هاجروا إلى سناط الحالية ثم إلى منتصف الطريق بين القرية ودشتا تاخ تسمى ( كيبد نيشنقي ) وعلى الأكثر معناها حج النيشان أو التهديف وفي هذه المنطقة يتم تبادل البريد من وإلى سناط مع شرطة دشتا تاخ بعد ذلك إلى ( لأورتا دبوطا) وهنا نصل إلى لب الكلي أي مدخله (ترا دكليه) الأسفل وهو باب بين صخرتين متداخلتين، والقادم إلى القرية لأول مرة لا يرى أية فتحة أمام المدخل حتى يصبح أمامه حيث تحجب الصخرة الأولى الصخرة التي تقابلها وبين الصخرتين الشاهقتين يجري جدول الماء النازل من الكلي وبمحاذاته طريق لا يكفي لمرور دابتين سوية لذلك نرى الدواب والناس يخوضون الماء صعوداً ويستمر الصعود بمحاذاة الجدول الذي يكون مساقط مائية (شلالات) جميلة لكن هذا المجرى قد أختفي بعد أن غمرته مياه البحيرة التي تكونت بسبب انهيار منطقة ( ليتا دكو) سنة 1955 م وهو سفح يعلو الجدار الصخري غرباً وسنتحدث عن الحادث لاحقاً

المهم أن الطريق الجديد الذي يسلك صعوداً إلى جانب البحيرة والتي يبلغ طولها أكثر من نصف كيلومتر، طريق ضيق، وكم تحدث شباب القرية ليجعلوا من البحيرة مسبحاً عظيماً أوحوضاً كبيراً للأسماك خاصة وأن نهر سناط يمر من خلالها، وهي مشروع مستوف لكل شروط المرفق السياحي الجميل . تستمر القافلة صعوداً إلى مكان اسمه (كرا دباز)، ثم ( اقابا د ابونا ) والعقابا معناه السلم وهما اثنتان العليا والسفلى ثم إلى (بدرنيثا) ثم (ارخل دشمو) أي طاحونة شمو، ثم إلى ( شاني ) وهنا تستقبل القوافل القادمة من زاخو وكذلك تودع القوافل المغادرة، وه كذا يجد المرء نفسه أمام البيوت بعد معاناة وتعب طويلين، وموقع سناط في الوادي ( ليس في قعره بل على السفح ) وهذا يجعله موقعاً جميلاً ومنيعاً بالنسبة لعوامل الطبيعة والمناخ، لذلك نجد سناط دافئة في الشتاء رغم الثلوج التي تغزوها مبكراً ولا تغادرها إلاّ في الربيع متأخرة، كما يجعلها هذا الموقع حصينة ضد الأعداء والطامعين، وكأن القرية خلقت لتكون في عالم السلام والجمال والمحبة وليس في عالم الصاع والقوة والاعتداء، ومن المؤلم أن أبناءها درجوا تاريخياً ودينياً على قيم المحبة والسلام والجمال واجتهدوا أن يتعايشوا مع جيرانهم بتلك القيم وسط محيط يتخذ من القوة أسلوباً للحياة، أي أن أبناء القرية يتعايشون بعكس الواقع الذي يتبناه جيرانهم فهم مع أبناء سناط أصدقاء القوة على حساب حرية وكرامة أبناء القرية وما يبذلونه مادياً لإرضاء جيرانهم مستغلين هويتهم التركية عبر الحدود القريبة، وهذا الوضع ينطبق تقريباً على القرى المسيحية الصغيرة الأخرى القريبة من الحدود العراقية التركية . وقد اجتهدت شركة الحدود ووضعت مخافر حدودية زودتها بأجهزة للهاتف السلكي منذ بداية القرن الحالي وفي سناط واحد منها

لقد آمن أبناء القرية بواقعهم وكيفوا حياتهم على هذا الأساس، والقرية بموقعها وبناياتها تشبه قصبة عقرة حيث تراصفت البيوت في صفوف الواحد فوق الآخر، أي أن الصف الذي يلي الصف الأول من الدور يكون بموقع أعلى فتكون سطوح الدور الأولى ساحات للصف الثاني من الدور وهكذا ارتفاعاً إلى الأقسام العليا من القرية.

مواقع وأماكن بارزة

 

من المفيد أن نتحدث عن بعض الأماكن المشهورة والمتميزة في القرية، علماً أن كل بقعة وتلة أوفسحة تعتبر أماكن جميلة، وسنتحدث عن تلك الأماكن المتميزة لأنها تركت أثاراً وذكريات لن ينساها ابن سناط الذي عاشها

 

شورا :

هو سهل يقع شمال القرية واسمه يدل على أنه السور . تقع فيه سهول خصبة تسمى (روبارا) يقع ضمنها النبع (نبوءا) والنبع يجمع مياهه من المياه الجوفية القادمة من الجبال بعد ذوبان الثلوج، لذا نجد ماء النبع بارداً حتى في تموز وآب ولا تتجاوز درجة حرارته 7 مئوية ظهراً ويجري الجدول الصغير متوزعاً على البساتين والحقول المحيطة لكن ماءه لا يقل بسبب ما يصله من الينابيع الصغيرة القادمة من التلال القريبة، حتى يصل منطقة يختفي فيها لأنه ينحدر في هوة إذ يدخل في جوف أرضي وهو شلال (بيواري) الداخلي الذي يسقط في مغارة بيواري ويجري فيها حتى يخرج إلى حوض بيواري الذي جعله شباب القرية مسبحاً صغيراً.

 

بيواريالوادي العظيم 

كهف عظيم يبلغ ارتفاعه بين 60 إلى 80 متر في صدره شق شبه مغارة يخرج منها النهر الصغير، وصدق من أطلق عليه اسم إحدى عجائب الطبيعة بجمالها وطيب مناخها وروعة منظرها، ما أن تصل منطقة بيواري حتى تجتذبك المغارة لتدخلها . لقد دخلتها لأول مرة في شهر أيلول، وعلى الداخل أن يخوض النهر الصغير ويلبس ملابس إضافية في الصيف ( سترة ) حيث يتوقع أن تبتل ملابسه بفعل الرذاذ الذي يحدثه الشلال الداخلي وقطرات الماء المتساقطة من الأعمدة النازلة من سقف المغارة ( ستلكتايت )، وما أن يسير بضعة أمتار حتى تتوسع المغارة فيجد رصيفاً للسير بمحاذاة النهر ويبلغ طول المغارة قرابة 80 متراً حتى يصبح أمام الشلال في صدر المغارة، هناك يكون الجو بارداً جداً ودرجة الحرارة لا تتجاوز الخمس درجات

خارج المغارة كهف واسع يحيط بها، قاعدته صخرة مسطحة كأنها أعدت لجلوس الزائرين وقد اعتاد أبناء سناط الجلوس هناك وأعدوا أحواضاً صغيرة لوضع الفاكهة أو الأطعمة أو قناني المشروبات، وينحدر الجدول الخارج من المغارة إلى الحوض المصنع ليكون مسبحاً صغيراً مملوءً بالماء البارد يسبح فيه الفتيان والأطفال . إلى جانب الجدول رصيف آخر وصخور مسطحة تجلس عليها النسوة أيام السبت تغسل الملابس وتغتسل كحمام عام . عليه تكون بيواري والمنطقة المحيطة بها محرمة على الرجال في ذلك اليوم أي أيام السبت

يجري الجدول جنوباً وسط جنات من البساتين فيها الجوز والرمان والعنب والعرموط والخوخ وقد عالج أبناء سناط تلك الفسح الصغيرة وسط الصخور والأرض الوعرة وحولوها إلى جنينات غنية بأنواع الفاكهة والخضرة وهي أشبه ما تكون رفوفا معلقة، ومن هذه البساتين بستان كبير للأخوين متي أبلد وزيتو ثم بساتين شرق وغرب النهر، والواقعات إلى شرق النهر تعود لبيت كنو منهم قتو زرو وفرنسو وصبري، جنوبها تقع بساتين جميلة تسمى (رذب) لمنصور كمورا وأخويه بطرس وبولص، أما البساتين الواقعة غرباً أو جنوباً معظمها يعود لعشيرة بكمايا مثل يوسف جبو وأيشو الملقب (قديشا) وأبناء عمومتهما وتضيق هذه الفسح والجنائن كلما اتجهنا جنوباً إلى الكلي، حيث يقترب السفحان المتقابلان مكونان واديا ضيقا يسمح بجريان النهر الذي تزداد مياهه انحداراً مكونة شلالات صغيرة حتى يصل مدخل الكلي.

 

الطواحين

 

لكثرة المساقط المائية شيدت في القرية ثلاث طواحين، وللطاحونة في القرية وقعها التراثي والنفسي والاجتماعي لأن أكثر أبنائها يزورونها أما للحصول على الدقيق أو للتنزه وهي تعمل بفعل التيار المائي، كما هي ملتقى أبناء القرية خاصة النسوة اللواتي يتحدثن عن أوضاعهن ومشاكلهن وعن أخبار القرية، كما هي ملتقى العشاق والمحبين حين تتوقف عن العمل، وتضم تلك الطواحين التي لم يبق منها سوى خربات وأطلال قصص وذكريات منها جميلة وأخرى مؤلمة

لقد أهملت الطاحونتان جنوب القرية وبقيت الطاحونة القريبة من بيواري والتي تعود ملكيتها مناصفة إلى عائلة زيتو ومتي أبناء أبلحد والنصف الآخر لأبناء القس بطرس ( لويس وداؤد وروفائيل ) أما الطاحونة الوسطى فملكيتها تعود إلى هرمز بن سفر والثالثة الواقعة جنوباً إلى شمو هرمز بكمايا وقد غمرت المياه الطاحونتين الجنوبيتين بعد انهيار الجبل

أما الأراضي الواقعة بين دشتا تاخ والكلي سبق وأن تحدثنا عن موقعها وأسمائها ومن المستحسن أن نذكر ملكيتها، فمنطقة ( قم قلا) والتي كانت فيما مضى موضعاً لقرية قديمة تعود ملكيتها إلى قتو زورا وبولص ينجو(بي كنو) وشمالها غرب الجدول توجد خرابا أيضاً فيها مسطحات وفسح صالحة للزراعة تعود ملكيتها إلى بولص بن ميخو مرو(بيت كوريي) وكذلك لبيت لازار مرقس داؤد ( بكمايا) التي تصل سهل فسيح ومسطحات صالحة للزراعة تعود ملكيتها إلى أبناء ( كوريي ) منهم داؤد ماشو ويوسب جوبي وجبو( بي كرا) حتى نصل (قثيي) وملكيتها لشمعون يلدا وفرنسو بحي وأندراوس وهم من بيت ( كوريي ). ومن الأماكن (رؤولا دكرما ) أي وادي الكروم وسمي بهذا الاسم لوجود الكروم العديدة فيه، وآخر ( رؤولا دكوبا ) أي وادي الجومة، وسمي بهذا الاسم لعمقه، إذ يمتلئ شتاءً بالثلوج ولا تذوب الثلوج المتراكمة وفيه حتى مطلع الصيف، و( قم صيورتا ) أي الاستدارة ومن هذه الفسحة تؤدي الطرق إلى الحدود التركية صعوداً إلى جبال شاهقة تبدو منها جبال العراق وكأنها أقزام أمام وحش كبير، وتقود تلك الطرق إلى القرى المجاورة في تركيا مثل (بلون، زرافك، كادون، دلاكا، أقول، آشور، ربلك، أيلن ) والأخيرة ناحية مهمة كما هي ( أقرر) أما القضاء هو(بي قلابو) والقرى المذكورة كانت قرى مسيحية مأهولة ولازالت بعض العوائل المهاجرة إلى سناط وزاخو والموصل تتسمى بأسماء تلك القرى نسبة إليها.

حول تسمية سناط (اسنخ)

 

وقد جاء في وصف جغرافية العراق (مع الأديب) في وصف محافظة دهوك وحدودها الشمالية ما يلي : ( والحدود الشمالية حدود وعرة لمرورها بمنطقة الجبال التي تؤلف سطح جبال طوروس الجنوبية وتتصل بجبال هكاري الشاهقة وتمر فيها مسالك وعرة لا تصلح لحركة السيارات، ويجتاز خط الحدود بعد ذلك المضايق التي تغطيها الثلوج شتاءً وتحول دون أية حركة ما عدا الطريق الذي يربط جزيرة ابن عمر بالموصل، سالكاً ضفة دجلة اليسرى ماراً بنهر الهيزل وزاخو. ونهر الهيزل ينبع من جبال هيرا كول داغ ويمر بقرية دشتا تاخ ويلتقي بنهر الخابور قرب مدينة زاخو على مسافة ثمانية كيلومترات

 

 

حول تسمية سناط (اسنخ)

 

سناط تسمية عربية وردت في سجلات الدولة والمراسلات الرسمية. أما الأكراد فيلفظونها (سنحت) مجرورة التاء وليس لهذه التسمية أو التسمية الأولى أصول تاريخية

أما التسمية السريانية فهي ( اسنخ ) وقد وردت هذه اللفظة في قاموس أوجين منا كفعل معناه سور / حوط / أحاط / سيج أما كلمة اسنخ وهي اسم معناه سلسلة أوسور وقد ينطبق على القرية فهي محاطة بالجبال المنيعة وكأنها مسورة

ويقال أيضاً أنها وردت من كلمتين ( اسنوح ) أي سفينة نوح وهذه التسمية أقرب إلى الحقيقة من غيرها حيث أن المنطقة قريبة من جبل الجودي الذي تقول الروايات التاريخية والدينية أن سفينة نوح استقرت عليه بعد الطوفان، وقد يكون من المعقول أن يسمى أبناء المنطقة أسماء قراهم ومعالمهم الجغرافية باسم نوح. وقد وردت التسمية في كراس السيد جميل زيتوكما كان قد سبقه السيد سفردون القس متي إلى هذا التعريف، لكنه أعطى عدة احتمالات وروايات أخرى، منها ربما وردت الكلمة من الكلمة ( اسنا دنوح ) واسنا مضخمة ومعناه بالعربية حصن فتكون بمعنى حصن نوح والخاء منقلبة من ح وهذا أيضاً رأي معقول حيث القرية متحصنة بجبالها وقد يكون الاسم وارداً من (است نخ) وكلمة نوح بالسريانية معناه الراحة، ربما كانت القرية محطة للراحة من عناء الطريق الصعب والوعر ولا زالت القرية المحطة الوحيدة تمر بها القوافل القادمة من تركيا أو إليها من زاخو حيث تمر بالقرية وتستقر فيها حيناً

لكنني أعود إلى تسمية نوح التي أراها أيضاً قريبة إلى الحقيقة التاريخية حيث نجد هذا الاسم (نوحنوخ) يتكرر في قرى قريبة، مثلاً ( أبرخ ) هي من كلمة ( عبرا دنوح ) أي تراب نوح وأسم قرية ( دور نوح ) وهي في تركيا، من كلمة دير نوخ أوباب نوح وكذلك ( دشت نوح ) أي سهل نوح، وقد وردت هذه الكلمة في كتاب المرشد إلى مواطن الآثار والحضارة ( المرحلة الثالثة/بغداد الموصل للأستاذين طه باقر وفؤاد سفر ) وهما يتحدثان عن قصبة زاخو وما حولها حيث يقولان : وتوجد بقايا جسر أثري قديم مشيد على نهر الهيزل الذي يكون الحد الفاصل بين العراق وتركيا، ويمكن الوصول إليه من زاخو بطريق غير معبد يمر بقرية ( دور دناخ ) التي يقول فيها المحليون أن هذا الاسم معناه باب نوح وأن سفينة نوح استقرت عنده

وقد ورد اسم سناط في كتاب الاب حنا فيي ( آشور المسيحية) كما يلي : أن دير (مار أتقن) الذي ما يزال موجوداً في منطقة السندي فوق زاخو، وبجانبه توجد قرية كلدانية صغيرة تدعى ( أومرا ) وهذا المكان بجوار قرية ( ياردا ) وبمسافة أبعد قليلاً قرية مسيحية تدعى اسناخ (بالعربية سناط).

من هذه التسميات وما وجد من آثار لقرى سناط يتضح، أن القرية عريقة في قدمها ربما انتقلت بين حين وآخر شمالاً وجنوباً بسبب الهزات السياسية والغزوات العشائرية وعدم الاستقرار الذي حدث في الأزمنة القديمة

لقد حاولت ولا زلت أحاول أن أجد مصدراً تاريخياً مدوناً حول أسم سناط أو ما يذكر عنها المؤرخون دون جدوى لذلك لم يكن أمامي إلا الأخذ بالموروث الذي يتناقله الأخوة من أبناء سناط.

 

 

عوائل القرية 

 

يتناقل أبناء سناط أن القرية كما ذكرنا كانت في شورا، الموقع الفسيح شمال القرية، وأهل سناط الأوائل كانوا نسطوريين ومنهم من يقول أن أبناء سناط سكنوا جنوب القرية في منطقة ( نهيلي وخرابا ) وهناك قصص وحكايات على ذلك وسنتطرق إلى بعضها ما دامت من تاريخ وتراث سناط، وهي مواقع سكنها أبناء القرية ولا زالت آثار الدور والقبور باقية حتى الآن مما يدل على صحة وجود تلك القرى، ومن المعقول أن تكون القرية قد غيرت موقعها بسبب الظروف المحيطة بها خاصة وأن بعض شيوخ القرية يتذكرون ثلاث هجرات حصلت في قريتنا هذا، فكيف لا تحصل مثل هذه التغيرات خلال تلك القرون المشحونة بالحوادث والاضطرابات والنكبات

اليوم في القرية عوائل معروفة بأنسابها يسميها أبناء سناط ( عشائر ) وهي:

بي كنو

بي زيا

بكمايا

بي شليمون

والعائلتان قدمتا من خرابا ونهلي جنوب القرية 

بي كرا وقدمت من تياري 

بي نيسان بي شمون من سبريان من تركيا 

بي اسحق من دمي درزا

بي كوريي من نهلي 

بي منكنا

الظاهر للغريب في القرية أن كل عشيرة تتعصب لنسبها وكل فرد ملتصق بعشيرته، مقابل ذلك قلما نجد شخصاً من عشيرة يتعالى على شخص من عشيرة أخرى. في الحقيقة أن الحدود الطبقية معدومة حيث أن أبناء القرية متقاربون اجتماعياً وطبقياً ولا نجد أية جماعة تمتلك موقع الغنى الذي يستغل الآخرين في الاستعلاء أو التحكم وهذه ظاهرة إيجابية حيث نجد وجهاء القرية بسطاء متواضعين مع إخوانهم من فقراء القرية يعيشون بأمان وسلام في علاقاتهم الاجتماعية وقلما تحصل مشاكل وقد تحدث بعض النزاعات الآنية البسيطة وهذه تحصل حتى بين الأخوة لكن النزاعات المؤدية إلى عداء كبير لا تظهر لعدم وجود التناقضات والصراعات الكبرى مع وجود تلك الأصول التي سميت قبائل واحتفظت بأسمائها إلا أن الحواجز القبلية قد زالت تقريباً بسبب النسابات التي حصلت بعد الزيجات التي تحصل بين العوائل المختلفة لذلك تعتبر القرية عائلة واحدة ما أن يصيب أحدهم مكروه حتى يخيم الحزن على جميع أبناء القرية ويندفع الجميع للمساعدة والتعاون وهكذا الفرح الذي تساهم به معظم عوائل القرية

وقد تحصل بعض الخلافات وتتطور، لكنها قلما تصل إلى الجهات الحكومية بل تحل ضمن دائرة الوجهاء ورئيس القرية أوأحياناً يتدخل راعي الكنيسة، والخلاف الأكبر الذي يحصل يكون أبان انتخاب مختار جديد الذي يسمى ( ريس ) أي الرئيس

العلاقات الإدارية

 

يشرف على إدارة القرية الرئيس ( المختار ) الذي يتم انتخابه رسميا وبحرية، ومع ذلك تصاحب هذه العملية خصومات ونزاعات إذ تنقسم القرية إلى مجموعتين إحداها مع المختار الخلف والأخرى مع السلف وكما قلنا أن الديموقراطية تلائم القرية لوجود الحرية ولعدم وجود فوراق طبقية أو مراتب اجتماعية كبيرة في تباينها وهكذا لعدم وجود متسلط بالعرف العشائري كأن يكون آغا أو بيك أو عائلة تخضع لها مجموعة عوائل مما يتسبب في حجب الحرية، الكل مثل الأخوة أبرزهم في القرية من يقدم لهم أكبر خدمة، ويوفق نشاطه وذكاءه في انحاز أعمال مفيدة للقرية أوتكون داره مفتوحة لمتنفذين الحكوميين والعشائريين في المنطقة لكسب ودهم من أجل القرية. لقد درج العرف في القرية على أن تختار كل عائلة ( قبيلة ) رجلاً بارزاً يمثلها في مجلس الوجهاء والذي يساعد المختار في إدارة شؤون القرية وحل مشاكلها ويسمى (رسبي) وهذه الكلمة كردية ومعناها بالعربية ذي اللحية البيضاء (خور دقني) أي شيخ محترم وهؤلاء طيبون متواضعون قلما يتمتعون بأية فوارق يتميزون بها إلا الاحترام الذي يبديه لهم الأهلون

أما الجهة الحكومية الرسمية والمسؤولة عن أمن القرية وأمن الأماكن المحيطة فهي الشرطة ( شرطة الحدود ) ولهم مخفر كان سابقاً وسط القرية، لكن الدولة بنت مخفراً جديداً خارج القرية ولهؤلاء أهميتهم لأن القرية واقعة على الحدود ويتم الاتصال بمركز الناحية ( شرانش ) وبمركز القضاء ( زاخو) بواسطة خط هاتفي يربط المخافر الأخرى

لقد حدت الحدود في 1921م بين العراق وتركيا وقد وضعت الدعامات الحدودية بدءاً من نهر الهيزل عند دشتا تاخ وحول القرية حتى نهاية حدود السندي ومقدارها ثماني دعامات ومن المخافر التابعة لناحية السندي ( مخفر دور ناخ / بهنونه / دشتا سناط / مارسيس / بيرسفي / برخ ) وتحصل لقاءات رسمية وأصولية بين شرطة العراق وشرطة تركيا على الحدود وأحياناً تحصل لقاءات إدارية بين موظفي الإدارة بين الدولتين حيث تكون الدواعي مهمة كأن تكون قضية تهريب كبيرة أوقضية أمنية لا تستطيع الشرطة حلها فيتم اللقاء بين المسؤولين الإداريين

أما الصلة الإدارية بين القرى والحكومات فتتم عن طريق المختار وتأتي التبليغات عن طريق الشرطة

الوعي الاجتماعي 

 

معايشة بسيطة في زمن قصير في القرية تسهل للمرء تشخيص الواقع الاجتماعي لأبناء سناط، ويمكن اعتبار أبناء القرية من طبقة فلاحية واحدة دون وجود تمايز طبقي ذي حدود متباينة، فكل العوائل تمتلك دوراً وأرضاً صغيرة كأن يكون حقلاً لزراعة الحبوب والخضراوات أو بستاناً فيه من أشجار الفاكهة أو الأشجار التي توفر لهم حاجتهم من الخشب للبناء ولصنع الأثاث والعدد أو بعضهم يزرع أشجاراً تباع للتجار القادمين من الموصل وزاخو

أكثر العوائل تملك أدوات إنتاجها كالعدد البسيطة والحيوانات وقطعة الأرض والمواشي التي تعطيهم ( اللبن / الصوف / الجلود/ اللحوم / ) وهناك بعض العوائل الغنية تتميز بامتلاك عدد من البغال للنقل والتجارة أو بعضها يمتلك عدداً أكبر من الأغنام، والاستغلال في القرية محدود لأن أبناء القرية متعاونون ومتآلفون إذ تقدم بعض الأعمال عند الحاجة كإعانة ( العمل الشعبي ) لمساعدة بعض المحتاجين أو المرضى أو المنكوبين ويتم هذا التعاون مهما كان الجهد المبذول مجاناً مع ذلك توجد أعداد صغيرة جداً تعمل أجيرة لدى الآخرين، لذا امتيازات هذه التشكيلة الطبقية بقيام مجتمع متعاون خال من الصراعات الطبقية أو التناقضات المصلحية ( مع إهمال بعض الحوادث والممارسات الشخصية العابرة والتي لا تعتبر مؤشرات اجتماعية جذرية ) واستناداً لهذا التحليل نجد أبناء القرية أحرارا في تعاملهم مع بعضهم يمتلكون الشجاعة في طرح الآراء أوالتقييم والانتقاد وأيضاً المطالبة بالحقوق أن حصل هناك غبن، وليس من الغريب أن يرفع الراعي صوته مطالباً بحقه من الغني الذي يوفر العمل لذلك الراعي وهذا أيضاً يشذ أحياناً عند ملاحظة خصوصيات وسلوك بعض الأشخاص خاصة المحترمين ممن يفرضون احترامهم بسبب تعاونهم وإخلاصهم وخلقهم المتميز الذي يمنحهم موقعاً اجتماعياً متميزاً

هذا الواقع يؤهل أبناء القرية للقيام بأعمال مشتركة وإنجاز مشاريع تعاونية تفيد القرية خاصة أن توفرت القيادة الحكيمة ذات الوعي الاجتماعي إذ يمكن تحقيق تلك الممارسات دون اللجوء إلى الزجر أو النظام السلطوي أو اللجوء إلى الجهات الرسمية.

وكما ذكرت في مجال آخر أن أرض سناط معطاءة، ووفرة الإنتاج وعدم تسويقه إلى المدينة جعل أبناء القرية يستهلكون منتوجاتهم التي تفيض عن حاجتهم لذلك لا نراهم يطمحون إلى الأعمال الإضافية بل يميلون إلى الكسل ما دامت الأيام المعدودة توفر المعيشة للعائلة، وقلما تتحرك عواطف الغيرة والحسد بين الأهالي لعدم وجود ذلك التباين الواسع في نوع المعيشة، وذلك لأن التباين الكبير يخلق محفزاً للبعض على بذل الجهود الإضافية للحاق بالشرائح المرموقة، كما أن انعزال القرية وبعدها عن المدينة التي تنتج المشاريع وتكون الطبقات المتميزة على حساب أخرى فقيرة جعل أبناء القرية يرضون بحدودهم الطبقية الراكدة عند طبقة من الفلاحين والكادحين والعمال ويمكن لأي فرد أن يكون بتلك الصفات، والعمال من أبناء سناط يبيعون قوة عملهم في خارجها حين تتطلب الحاجات والظروف كما في أوقات الحصاد أو المشاريع الإنتاجية في المدن فيسافر العامل من سناط إلى تلك الأماكن ليعمل فترة هي موسم العمل المؤقت ثم يعود إلى أهله

كما هو معلوم أن العمل الدائم في المعامل يثقف العامل ويجعله يدرك مكامن الحوافز التي تضمن التغيير الطبقي الذي يطمح إليه العامل الواعي في المجتمع المنتج وهذا الواقع غير موجود في القرية. وحين يعود أحدهم بطموحاته إلى القرية يجدون أفكاره غريبة لا تحركهم أو تجد عندهم قبولاً

اختصاراً للموضوع فأبناء القرية لا يشعرون بالتمايز الطبقي أوبالغبن الطبقي، ولا يعانون من الاستغلال، لذلك نراهم يتآلفون في حياتهم البسيطة بسلام وهدوء لا تقلقهم إلا بعض المشاكل الشخصية التي لا تتسم بالتناقض الحاد.

المختارون (الرؤساء)

 

كما ذكرنا سابقاً، أن المختار في القرية يسمى رئيساً، ويتسلم منصبه في انتخاب ديموقراطي يحضره مسؤولون من السلطة ( مدير الناحية / ممثل الشرطة ) وفي انتخاب المختار تحصل خصومات ومنافسات، حيث تنقسم القرية إلى جماعتين وهذا الانقسام يسمى ( بندوثا ) أي التحزب، كل فئة تؤيد الشخص المنافس وقد تحصل بعض الصدامات لكنها تزول بعد فترة من استقرار المختار الجديد في موقعه. هذا ما لمسته عندما انتقلت إلى القرية عام 1952م حيث كانت القرية قد انتهت من انتخاب المختار الجديد وقد شهدت صراعاً حاداً في إقصاء المرحوم حنا كاكو (بي اسحق) وتنصيب المرحوم بولا حنا ( بي شليمون ). 

هكذا نجد أن كل جماعة تعمل على إعداد الشخص المرموق منها، وأن يكون معروفاً بأخلاقه وكرمه وشخصيته ولباقة لسانه، علماً أن الرئيس يصبح المركز الذي تتصل به الجوانب من داخل القرية وخارجها كالجهات الرسمية والعشائر والزائرين، ودار الرئيس تستقبل الضيوف الرسميين من الدولة والعشائر المحيطة. ومن حقوق الرئيس أن يحصل على أتعاب كل جهد يبذله وثمن كل خدمة يبذلها للأهالي عند السلطات، كتوقيع العرائض أو تأييد الطلبات الرسمية أو مصاحبة الشباب إلى الناحية من أجل التجنيد. وبالنسبة للخدمات الاجتماعية تتعاون مع الرئيس مجموعة من الوجهاء أصحاب العقل والرأي. ومن حق الرئيس أن يطلب العون من شباب القرية لإنجاز أعماله الخاصة في بستانه أو حقله بشكل عمل شعبي، وتنجز تلك العمال عادة خلال أيام الآحاد كي لا يخسر المتعاون حاجته إلى أعماله الخاصة، كما يعمل الشباب لجمع الحطب له لأيام الشتاء حيث تكون داره مشغولة الزائرين، كما يساعدونه في جمع العلف لحيواناته

يساعد المختار رجل مقرب يسمى (كزيرايا) أي المعين أو المراسل، وواجبه أن ينفذ أوامر المختار في التبليغات أو ينادي في القرية بما يقرره المختار أو القرارات الواردة من الناحية كما يدعو الأشخاص المطلوبين للحضور إلى مجلس المختار لإبلاغهم بما هو مطلوب منهم

وكما أن الانسجام قائم بين المختار والوجهاء خاصة في تحديد الأمور المهمة في القرية أوفض النزاعات ليكون الاستقرار أكثر رسوخاً، حينها قلما تقدم شكاوى في المخفر أوفي الناحية حيث يتم حلها في دار المختار قبل وصولها إلى الجهات الرسمية وقد يحضر عريف المخفر أو مأمور المركز الذي يعتبر السلطة العليا في القرية تلك الاجتماعات أن طلب منه ذلك، وأن تمت تلك اللقاءات حتى أن كانت بحضور ممثل الشرطة خارج حدود المختار تعتبر تواطؤاً ضد مركز المختار.

كما أن للقس هيبته ومكانته لدى أهل القرية لكن مجلسه يكون عادة من أجل ِأمور دينية أوأحيانا حلاً للمشاكل العائلية،والقس الذي كان في فترة وجودي هو القس متي ربان ( بي شليمون ) وله موقع خاص في هذه الكتابة، ومن الأشخاص المرموقين الذي عايشتهم إبان وجودي في القرية ( متى أبلحد ) الرجل الهادئ الذكي الذي كان يعطي أفضل المشورات، ويكتشف نقاط الضعف عند المقابل، وكذلك ( حنا كاكو) الذي كان يتمتع باحترام عشيرته لأنه يقوم بمساعدتهم مادياً عند الحاجة إليه خاصة بعد أن شب ولده بطرس الذي كان يمارس العديد من المهن التي تحتاجها القرية وكان الرجل ذكياً يعرف كيف يتعامل مع المحتاجين ويفرض احترامه على أهله

لقد خلق الوضع المادي الجيد لحنا كاكو خصوماً أو طامعين من خارج حدود القرية. أما ( قتو زرو) كان متحدثاً لبقاً يعتمد المرونة وأسلوب الحيلة أحياناً وله دور كبير في التكتلات عند الانتخابات، أما (بولا) الرئيس الحالي (أيام كنت هناك) كان إنسانا بسيطا طيبا ومن المأخذ عليه أنه كان يصغي إلى كل ما يقال له أو عنه، وهؤلاء جميعهم أصبحوا رؤساء للقرية في زمن واسع مع اعتذاري لهذا التقييم لأن جميع الذين ذكرتهم رحلوا وكنت صديقاً لهم وارتبطت معهم بعلاقات طيبة وساهمت في حينه في إزالة آثار التحزب الأخير الذي حصل عند إقامة بولا مختاراً على القرية والذي جاء بعد المرحوم حنا كاكو وقد أفلحنا بإقامة احتفال مشترك لجميع أبناء القرية من كل الكتل وتناولنا وجبة مشتركة وشربنا سوية ورقصنا وسط أهازيج وهلاهل النسوة وكان احتفالاً مشهوداً بمناسبة الدودان ( مناسبة تحتفل القرية بها حين تحلب أغنامهم مرتين في اليوم وكلمة دودان كردية معناها مرتين ) في النبع خاصة حين علمت أن الرؤساء والوجهاء يجب أن يشتركوا في رقصة مشتركة وقد مدحني المرحوم متي أبلد ( أنك لصغر سنك استطعت أن تعمل عملا جيداً )* وقد أفادني السيد مرقص وردا في تذكر الرؤساء وتسلسلهم حسب معلوماته، وقد أيد أكثر أبناء سناط الأخ مرقص كمصدر أمين لما له من دراية جيدة وذكر الرؤساء بتسلسلهم الآتي:

يوسف هرمز بكمايا وكان حكيماً محترما واستشهد دفاعا عن القرية

توما هرمز شقيق يوسف هرمز

شمو هرمز أيضاً شقيق يوسف هرمز 

أبلحد نانوبي كرا، كان ذكياً محترماً وذورأي سديد وهووالد متي أبلد

عيسكي وهووالد توما فندومن بي شليمون

ميخا مخمور بي شليمون

ميخا بن ربوبي شليمون أيضاً 

يوسب ربوبي شليمون 

ياقوبي شليمون

متي أبلحد بي كرا ( وقد تحدثنا عنه). 

حنا كاكوبي اسحق 

قتوزوروبي كنو

بولا حنا بي شليمون 

منصور مرقص بي اسحق 

آدم نونا بي زيا 

عبومتي أبلد بي كرا (في آخر أيامه رحلت القرية)

لقد نظم السيد فرج العطار وكان معلماً في القرية قصيدة ألقاها بالمناسبة نشرها السيد جميل زيتوفي مخطوطه المستنسخ (سناط في الذاكرة) حيث يتحدث عن قرية سناط ويصف أهلها وما يحيط بها من جنات

لقد تحدثنا عن العلاقات الاجتماعية بين أبناء القرية ونوهنا أنها تتسم القربى والتوازن والعدل لعدم الاستغلال الطبقي أوالعشائري ومن المفيد أن نتحدث عن علاقة أبناء القرية بالمحيطين بها

هناك قرى مسيحية مثل بهنونا/ دشتا تاخ / أومرا /شرانش المسيحية (العليا) كل هذه القرى تشبه في أوضاعها الاجتماعية مجتمع سناط. أما القرى الأخرى التي تسكنها العشائر الكردية فيختلف الأمر فيها إذ هم ينظرون إلى أبناء سناط كأقلية ضعيفة وعلى هذا الأساس يتعاملون مع أبناء سناط، وكثيراً ما تحصل اعتداءات واضطهادات أحيانا تصل إلى القتل لذلك التجأ أبناء القرية إلى أسلوب المسالمة والصداقة وكونت كل عائلة من القرية صداقة مع عائلة من الأكراد أن كان في العراق أومن كردستان تركيا، ولكن هذه الصداقة من الجانب الكردي تعتبر امتلاكاً ويصبح من واجب العائلة السناطية أن تقدم الثمن المادي والمعنوي كأن تستضيف أفراد العائلة وتعطيهم الإعانات المادية السنوية والتي تصبح على العائلة السناطية حقوقاً مقابل حمايتها من الآخرين

هكذا ينشأ أبن سناط وهو يرى الغريب يدخل داره كزائر ثقيل مفروض على العائلة وهويحمل سلاحه وقذارته وخشونته ويدخل الدار ويفرض نفسه آكلاً وشارباً نائماً وسط همسات وتعليقات أهله بالسريانية التي لا يجيدها الغريب الكردي ( وهي سخرية المسود على السائد ) وهم محقون في تلك السخرية لسذاجة أولئك الثقلاء وخشونتهم وعدم معرفتهم بأبسط الأمور الحياتية والثقافية. فأبناء القرى مقسمون بتبعيتهم بين عوائل العشائر المحيطة بهم فمنهم من هو تابع للمجوليين الساكنين جنوب القرية أو لعشائر الكوبان من تركيا أو عشائر السندي الساكنين في القرى شرقاً

يسمى السيد (باخوي) وبعضهم كان سابقاً يتفاخرون بسذاجة، بقوة وشجاعة سيده، وأن لهذا السيد الحق ي أن يحل ضيفا كما ذكرنا أعلاه، ويحصل على بعض حاجياته (حسب سلوك وأخلاق السيد) أحياناً يصل الأمر إلى السرقة، أما الشرطة فلا تتدخل في مثل هذه الأمور معتبرة إياها تقاليد راسخة معترف بها. وفي الغالب يكون السيد أقل مستوى من مسوده اجتماعياً وثقافيا وفكرياً لكنه مفروض عليه، ينال احتراما ظاهريا وسخرية العائلة بعدم نغادرته.

وهنا بعض القصص والحوادث التي تشير إلى التواطؤ الذي حصل أحياناً بين السيد وآخرين من اللصوص يدلهم على خصوصيات العائلة ومقتنياتها وموضعها فيسهل مهمتهم من السرقة ومن ثم ينال حصته من المسروقات لقاء ذلك. أما الشاب الواعي راح يرفض هذا التقليد خاصة بعد التطورات السياسية في العراق بعد ثورة تموز 1958م.

 

المعتقدات الدينية / الكنائس 

 

جميع أبناء سناط يدينون بالديانة المسيحية وبالمذهب الكاثوليكي وهم مؤمنون متمسكون بالشعائر الدينية وتقاليدها، يقال أنهم كانوا سابقاً قبل أكثر من مائة عام يتبعون المذهب النسطوري وكانت لهم كنيسة في منطقة شورا ولا زالت آثارها قائمة حيث كانت القرية سابقا؟ً، أما اليوم بعد الهجرة فهم بعيدون حتى عن قريتهم أملا أن يكون أيمانهم ذلك دليلهم بعد السنين الصعبة

يقول الشماس يوحنا صيادا ( في لقاء أجراه السيد جميل زيتو، سأله بشأن عدد من المواضيع التي تخص تاريخ القرية منها انتقال الكنيسة في القرية من المذهب النسطوري إلى المذهب الكاثوليك ) : كان عمري سبع سنوات حين التحقت بالمدرسة الدينية في القرية ( أومرا دمار سوريشو) وكان معلمنا القس هرمز كوروثم هاجرنا إلى زاخو في 1925م في صيف 1926م هاجرنا إلى شرانش خوفا ًمن الغرق في نهر الخابور. ويستمر الشماس واصفاً إلى أن تصل عائلته إلى سناط وعمره أحدى عشرة سنة خريف عام 1928م ليواصل الدراسة الدينية على يد القس متي ربان الذي يصفه بالشاب المملوء حيوية وللتوثيق يذكر أن من بين الآخرين الذين شاركوا الدراسة الشماس لويس القس بطرس / روفائيل / توما كنديا / اسحق متي / نيسان وردوكي

ويقول: أما الرعيل الأول من الشمامسة من أهالي سناط، كانوا قد تتلمذوا على يد القس بطرس أبن القس بطرس هم ( عودوداود / بولص تيمو/ ميخوبي كنو/ داؤد / روفائيل ) أولاد القس بطرس أخونيسان ميخو/ بولا أخوفرنسو( والد أبلحد ميخا كانوا رعاة في 1929م ) ( س ). 

وحين سأله السيد جميل عن الآباء الذين توالوا على رعاية كنيسة سناط قال : أن الجد الأكبر للمرحوم يوسف والد القس أفرام كان القس النسطوري الأخير للقرية وفي عهده تكثلكت القرية وبعده جاء القس بطرس الذي كان له خمسة أبناء هم القس بطرس الابن وأشقاؤه / ميخائيل والد وردا وشابو/ منصور زوج وردوكي / حنا والد نونا حنا / مرقص والد شماشا / جبووالد صخرية

والقس بطرس الابن هووالد الشمامسة داؤد / روفائيل : لويس / توما. بعده جاء القس اسحق من أهالي القوش وكان من الرهبنة الهرمزدية في دير الربان هرمزد ( قرب القوش ) أعقبه القس كوركيس من قرية بلون ثم جاء القس متي ربان

وهنا يتطرق الشماس يوحنا إلى الفترة التي دخلت الكثلكة إلى المنطقة في العهد العثماني ويحدد الفترة ( نقلاً عن جده ) أنها كانت في زمن إمارة الأمير محمد بك شقيق بدر خان بك. ويقول الشماس أن سبعة كهنة من شجرة عائلتنا توالت على رعاية كنيسة قرية ( مير ) كلهم ينتمون إلى المذهب النسطوري وكان آخرهم القس شليمون بعده رسم الكاهن عبد عبو وهو ابن القس شليمون ويروي الحكاية ابن القس عبد والذي اصطحب عمه أدو ضمن قافلة متوجهة إلى (كزيرة ) وفي الطريق مرت القافلة بكنيسة وكان وقت صلاة الرمش وحين سمع الشاب أصواتاً وألحانا تختلف عما يسمعه في طقوسهم وقال أنها الحان تسمو بالروح فكانت فرصة. طلب من عمه أن يدخلا الكنيسة حيث وجدا قساً وشماساً يتحاوران بألحان جميلة فاشتركا في الصلاة وحين انتهاء الصلاة طلب القس أن يكون الشاب وعمه ضيفيه فأعلماه أنهما من المذهب النسطوري وأن الشاب ابن القس عبدو من قرية مير. يقول أن الكاهن كان اسمه ججو قال لهم : نحن أيضاً كنا نعتنق المذهب النسطوري لكننا اهتدينا إلى المذهب الكاثوليكي ( الكلداني ) وبعد مداولات ومناقشات استطاع القس ججو أن يقنع الشاب الذي راح يقنع عمه باعتناق المذهب الكاثوليكي، وبالفعل اعترفا وتناولا القربان المقدس وقفلا راجعين إلى قريتهما، وبعد أن مكثا عند القس الذي زودهم بالطقوس والأسلوب الكاثوليكي في ممارسة الطقوس

حين وصل الشاب إلى قريته امتنع عن خدمة قداس أبيه بإحدى الذرائع دون أن يعلم عن حقيقة انتمائه إلى المذهب الجديد، لكنه بعد فترة صارح أباه بأنه أصبح كاثوليكياً وطلب من أبيه أن يذهب إلى الجزيرة (كزيرة) ليحاور ويناقش القس ججوالكاثوليكي، اقتنع القس عبدو وسافر وبقي فترة يحاور ويناقش القس ججو لمدة خمسة أيام متواصلة. أخيراً استطاع القس ججوأن يقنع القس عبدو ليصبح كاثوليكياً بل رسمه في اللقاء نفسه كاهناً كاثوليكياً وزوده بمتطلبات الكاهن الكاثوليكي وأوصاه (عد وبشر الناس البسطاء الطيبين وأترك المتعصبين لفترة تليها). 

وكان أكثر المتعصبين من بيت هور والذي سافر إلى قرية ئيلن حيث مقر المطرانية واشتكى أمر القس عبدو إلى مطران ئيلن وأوضح له كيف ترك القس عبدو مذهبه النسطوري وأعتنق المذهب الكاثوليكي وهو ساع لنشر هذا المذهب في سائر أنحاء المنطقة ليدينوا بالديانة الإفرنجية الغريبة ( ويقصد بذلك المذهب الكاثوليكي القادم من فرنسا). إن عائلة بي كوما وهي عائلة القس عبدو قد جندت أفرادها لنشر هذا المذهب الجديد فشكى مطران ئيلن أمره إلى محمد بك فأمر الأخير بإحضار القس وأبنه وأخيه لاستجوابهم، فكان جواب القس عبدو: إننا لم نبتكر ديانة جديدة إنما هي تصحيحات وتقويمات كنسية ومذهبية ضمن الديانة المسيحية، وهذا الأمر متروك إلى الأهليين وإيمانهم

لكن الأمير أمرهم بترك المذهب وعدم نشره بين الناس وسجنهم بعد أن أمر بجلدهم أربعين جلدة وأن يدفع كل منهم جزية قدرها مائة فرس رباني. لكنهم بعد عودتهم أصروا على الاستمرار في دعواهم فأعيد اعتقالهم وعوقبوا ثانية. وهكذا للمرة الثالثة أصروا على دعوتهم لكنهم في هذه المرة لم يستطيعوا من دفع الجزية فاستعيض عن الجزية بحلق لحية القس ثم زجهم في السجن (سجن كزيرة) وكان ذلك في تشرين الأول من السنة وبقوا في السجن إلى أن تم نمولحية القس كسابق عهدها فأخرجوا من السجن وهم حائرون

مر بهم شابان قال أحدهما: أخال هذا الرجل من القسان ثم سأل : من أنت ولماذا أنت مسجون ؟ أجابه القس: نحن سجناء محمد بك ونحن مسيحيون. وعده الشابان بالتوسط لدى المير محمد بك ليطلق سراحهم وحين استدعاه محمد بك وأخبرهم بأنه كان قد قرر إعدامهم لكن توسط الكثيرين للإفراج عنهم جعله يتأخر عن ذلك وقال لهم : عليه سأعفو عنكم بشرط أن تنقلوا رسالتي هذه إلي أمير ( كركن ) وحملوا الرسالة إلى الأمير المذكور لكن هذا قال لهم : أن من أرسلكم يقضي بإعدامكم جميعاً في رسالته وأن ترمى جثثكم من على القلعة إلى نهر الهيزل. لكنني ولأسباب خارجة عن إرادتي أمسك عن هذا الأمر فقط سألجأ إلى فعل لأرضي به الأمير محمد وبذلك أنقذكم وهي أن أقطع إحدى أذني القس وأرسلها إليه مع رسالة أذكر فيها أنني امتنعت عن إعدامكم ولكي أتمادى في تعذيبكم عملت خنجري في أجسادكم لأشوهها فتصبحون أضحوكة للآخرين لأنكم خرجتم عن طاعة الأمير محمد وسأمركم أن لا تعودو إلى قريتكم بل تسكنون في غيرها(هذا ما ذكره للأمير محمد) وهكذا ذهب القس عبدو ومن معه وهو جريح إلى أمير هكاري وطلب اللجوء عنده فقبل لجوءه ولكن لعم وجود طائفة مسيحية في قريته ليصلي فيهم سمح له أن يسكن في كزنخ العائدة لسيطرة امير هكاري وبقي هناك حتى وفاة محمد بك فرجع إلى قريته مير

ويسعى الأستاذ جميل للتأكد من هذا الموضوع من شخص آخر. ففي 6/8/2000م وجه ذات السؤال إلى العم قطو مرقص توما وهو من مواليد 1902م والذي يحفظ الكثير من تاريخ وأخبار وذكريات القرية ورغم عمره كان هذا الرجل ما زال قوي الذاكرة فأجاب قائلاً : لقد تكثلكت سناط في عهد القس إيشو الذي اعتنق الكثلكة بعد أن كان قساً نسطورياً وراح يسعى لتحويل أبناء قريته عن مذهبهم ( يستمر قطو) وما زال الكرم عالقاً بذهني منذ أن رواه لي والدي نقلاُ عن المرحوم ريحانا الأول ( وهو جدهم ) حيث كان يردد كيف يستطيع المرء أن يغير مذهب آبائه وأجداده وينجرف وراء أفكار المبشرين الإفرنج، لقد كان هذا الشيء صعب التحمل علينا لكن الأمر حصل وتعاقب على رعاية كنيسة سناط الآباء التالية أسماؤهم بعد القس إيشو النسطوري إذ جاء بعده القس يوسف أبنه / القس بطرس ( وهنا يذكر السيد جميل اسم القس بطرس مرة واحدة بينما يرد في الروايات الأخرى القس بطرس وابنه القس بطرس ) والأخير هو والد الشمامسة داؤد ولويس وروفائيل الذين تتلمذوا على يد القس بطرس الشمامسة عودود اوا / بولص / ميخوبي كنو/ داؤد / روفائيل أولاد القس نفسه وشقيق نيسان ميخو/ أبوشقيق فرنسو/ والد أبلحد ميخا / وهؤلاء كانوا رعاة في سنة 1929م في منطقة قسم صيورتا بعده ( القس بطرس ) الثاني استقدم من قرية بلن لفترة زمنية القس كوركيس ثم جاء القس اسحاق الالقوشي وهومن رهبان الدير ربان هرمزد قرب القوش بعد القس اسحاق رسم القس متي ربان الذي تتلمذ على يد القس اسحاق وتعلم الطقوس جيداً ودرس العربية في الموصل وبعد رسامته عين في قرية خربه قضاء عقرة ثم نقل إلى سناط، وحين نقل إلى قرية مهمدية قرب زاخوحل محله القس يوسف آل شروان والد الخوري فرنسيس بعدها أعيد القس متي ليرعى كنيسة سناط حتى وفاته ومن بعده خدم الكهنة الآتية أسماؤهم رعاية الكنيسة والقرية لفترات زمنية وهم القس أفرام، حالياً حصل على شهادة الدكتوراه وهو أحد أحفاد ابن القس أيشو المذكور والذي يلفت النظر أن الأب أفرام كان يحمل قبل دخوله المعهد الكهنوتي اسم إيشووأكبر الظن أنه سمي على اسم جده الأول وشاء القدر أن يصبح راعياً مجداً ومعروفاً، جاء بعده الأب جميل نيسان ثم القس كوركيس من ألانش ( س ) وانتهت رواية العم قطو

كان للإيمان العميق تأثير كبير على سلوك أبناء القرية في ما بينهم ومع جيرانهم. تراهم طيبين مسالمين حريصين على تطبيق الشعائر الدينية لذلك يكون اهتمامهم كبيراً في كنيستهم ومواظبتهم على زيارتها.

 

وللمعتقد الديني والكنيسة ورجال الدين تأثير كبير على حياتهم في تلك الأصقاع المنقطعة حيث يجعلهم بمستوى حضاري واجتماعي وإنساني أفضل من جيرانهم. الكنيسة مدرسة مهمة تساعد في تربية نفوسهم وأذهانهم في غياب المدارس الحقيقية ووجود القسس الفاهمين ومواعظهم خير مرشد لمجتمعات تعيش العزلة في تلك الجبال الوعرة

تحدثنا عن آثار قرى قريبة ربما كانت أسلاف قرية سناط كما قلنا في شورا وفي ( قم قلا ) وغيرها من الأماكن وقد وجدت بقايا آثار لكنائس في تلك المواقع كما في ( خرواثا ) وبقايا ( كنيسة بني شموني ) ومزار ( القديس سهدونا ). أما الكنيسة الحالية فقد بنيت في بداية الخمسينيات على أنقاض الكنيسة القديمة وقد وضع حجرها الأساس ( المطران يوحنان نيسان ). 

ومن محاسن الصدف أنني كنت في القرية وعايشت احتفالات تدشين الكنيسة الحالية كما عايشت أواخر أيام إنشائها حيث كان الشيخ الجليل مار يوحنان نيسان يشرف بنفسه على البناء ويشجع المؤمنين الذين شاركوا في العمل والبناء إضافة إلى بنائين خبراء جلبوا من خارج سناط، ودشنت في سنة 1952م وسميت بكنيسة مريم العذراء وقد أورد السيد جميل في دراسته عن سناط خبر وصف استقبال المرحوم المطران حنا نيسان وتعاون أبناء القرية معه في البناء، قائلاً : ( لقد استمر أربعة أشهر وبعد انتهاء العمل مباشرة أقيم احتفال لتقديس الكنيسة وأقيم أول قداس فيها لافتتاحها رسمياً من قبل المطران نفسه ). 

ومن طرائف الأمور التي أتذكرها في بداية افتتاح الكنيسة، قام بعضهم بصنع أرائك خشبية خاصة لبعض العوائل تجلس عليها العائلة أثناء ممارسة الطقوس والصلاة، وكان المفروض أن تبقى الأرائك مخصصة لأصحابها يجلسون عليها في أوقات الصلاة لكنه كانت تحصل بعض الاحراجات بسبب جلوس بعضهم في أماكن الآخرين حين يجدونها فارغة، أي حين يتأخر أصحابها عنهم مما دفع الوجهاء في القرية أن يسرعوا لأكمال المقاعد الكافية لجميع أبناء القرية

وللكنيسة أملاكها وبساتينها تستغل منتوجاتها لمنفعة الكنيسة ومنذ وصولي ولحين مغادرتي القرية كان المرحوم القس متي ربان راعياً للكنيسة وكان متزوجاً وله أبناء وبنات وسأخصص بعض السطور من الكتابة للذكريات التي اشتركت بها والمرحوم أو التي حدثني عنها. وبمناسبة الحديث عن الكنيسة من المفيد أن نتطرق إلى الكنائس الأخرى كمعالم أثرية.

الكنائس والأديرة القديمة 

 

هناك آثار قديمة لكنيسة في شورا

وفي جنوب القرية، كما نوهنا سابقاً، لم تخلف لنا أية كتابات تدلنا على تاريخ بنائها أو أية معلومات تفيدنا في تقرير عن أوضاع القرية آنذاك أو أحوال مؤمنيها كما لم يرث أبناء القرية أية كتب أو مذكرات تروي أخبار أبناء القرية القدامى.

كنيسة بني شموني 

يقال أنها أقدم كنيسة ويعتقد أن تاريخ بنائها يعود إلى أكثر من ألف سنة، يصفها السيد جميل حيث يقول : ( أنشئت قبل ألف ونيف من السنين داخل كهف واسع وعال الارتفاع. ولا يزال المذبح وقنطرة السقف باقية لحد الآن وتبعد عن القرية 1500 متر على الجهة الشرقية في طريق ( بيواري ) بعد منطقة ( شولته ) والمزار القديم

هناك مزار آخر هو( مار سادونا )

يقع شمال غربي القرية ويتناقل أبناء القرية أن أديرة كثيرة كانت قائمة في المنطقة وأن سهدونا أحد أولئك الرهبان أو القسان الذين استشهدوا في تلك المنطقة ومن المرجح أن يكون تقليداً في تخليد ذكرى هذا القديس الشهيد أن يبنى مزاره شمال غربي القرية حيث يوجد في قرى أخرى مزارات أخرى باسم سهدونا تقع في شمال غربي القرية كما هو موجود في قصبة القوش

مزار خرواثه

كما نجد في شمال القرية آثار مزار قديم في منطقة الروبارا ولا تزال بقايا البناية قائمة مع جزء من المذبح

من المزارات القديمة مزار ( مار سوريشوع )

أي ( سبريشوع ) ويعتقد أنه كان ديراً عامراً برهبانه وكان يشغل مساحة كبيرة وقد زرت هذا المزار وبستانه الواسع المحيط بالمزار ويقع عبر الحدود التركية وبالقرب من المزار وبستانه الواسع آثار كنيسة مبنية من الحجر والكلس داخل كهف فوق صخرة عالية وهي كنيسة (باريسييا) يقال أنه كانت شقيقة مار سوريشو كما يلفظها السيد جميل وهذا اللفظ أقرب إلى الصحة

ويتناقل أبناء المنطقة عن عجائب هذا القديس الكثير من الوقائع التي حصلت في زمنهم.

 

من عجائب مار سبريشوع 

يقال أن أحد الآغوات الأكراد وكان بدرجة ميرا أسمه ميرا كركل حارب السلطان سبع سنوات، غضب عليه العثمانيون وسجنوه في قلعة حصينة في استنبول، أصاب هذا الميرا يأس قاتل بسبب انقطاعه عن أهله ومعارفه وفقدانه كل أمل له في الحياة وفي المستقبل فتذكر الراهب الجليل الذي يعرفه يعيش في أحد الشعاب القريبة من دياره فراح يدعو ويستنجد إلى سبريشوع يستنجد مؤمنا به أن يخلصه من محنته ووعد أن يبني له معبداً أو ديراً إن هو أنقذه. في اليوم الثاني طرق الراهب سبريشوع باب قصر الميرا فخرجت إحدى زوجاته تستفسر عن طلبه، فقال أنه جاء ليقابل الميرا. قالت المرأة له أن زوجها معتقل في مكان لا يستطيع أحد من أنصاره الوصول إليه. لكنه قال بأنه هو الراهب سبريشوع وجاء ليبشرها بإنقاذه زوجها من محنته وأنه في قصره وفي غرفته. تصورت المرأة أنه يسخر منها لكنه طلب منها أن تتأكد ولما فتحت باب غرفة زوجها وجدته حقاً نائما، وكانت تلك إحدى العجائب التي يتناقلها المسيحيون والأكراد من أبناء المنطقة لذلك يقدس المسلمون والمسيحيون بقايا كنيسته وبستانه ولا يسرق منها شيئاً. أوردت هذه الحكاية وسأورد غيرها وأن كانت غير مسندة بوثائق وكتب وإنما لأعطي صورة عن درجة الإيمان الذي يخالج أبناء المنطقة ومما يروى أيضاً أن من يزور مزار القديس يتهيب ويخاف من أن يمس شيئاً أو يأخذه من المزار أو البستان الذي لا زال غنياً بالفاكهة لئلا تصيبه لعنة القديس مباشرة وبالفعل حين زرت الموقع شاهدت الكثير من النقود، عملات عراقية وتركية وشموع موضوعة على المرقد بإهمال دون أن ينال منها أحد حيث يوجد شخص مخصص لرعاية المزار والأملاك حيث يأتي ويتسلم النقود والفواكه وتصرف أما على الكنائس أوعلى إدامة وصيانة ممتلكات القديس ومن الروايات أن أحدهم سرق نقوداً من المزار لكنه وقع وانكسرت ساقه قبل أن يعبر الشباك وآخر سرق شيئاً من الفاكهة أكثر من حاجته لطعامه فكبت بلغته وانكسرت ساقها وغيرها من الحكايات التي يحفظها المسيحيون والمسلمون على حد سواء

وهناك دير ( مار أتقن ) يقع قرب قرية أومرا ( ديرشيش ) في شرق سناط وهو مبني في واد عميق يصل إليه الزائر من التلال العالية بصعوبة وتقيم له قرية ديرشيش احتفالاً سنوياً (شهرا) وقد حضرته مرتين في 1953 / 1954م وكان القس يضيفنا بمشاركة وجوه القرية

ويقع قرب قرية ( ياردا ) 

على بعد ساعتين شرق سناط بناء دير قديم لا زال محتفظاً بهيكله داخل الجبل الصخري يصل إليه المرء من باب ضيق ويجد صعوبة في الوصول إليه

هكذا نجد أن هذه الأديرة شيدت في أماكن صعبة يلجأ إليها الرهبان ويبنون فيها صوامعهم اعتزالا وبعدا عن المجتمع وكذلك تفادياً من الاضطهادات. ومن المفيد أن نتحدث عن بعض القسس والآباء الذي خدموا كنيسة سناط

يوم التحقت بوظيفتي في سناط عام 1952م كان القس متي ربان راعياً لكنيسة القرية ويومها كان أبناء القرية لازالوا يتحدثون عن القس اسحاق جما (من القوش) الذي خدم كنيسة سناط فترة طويلة وكان راعياً فاضلاً اهتم باللغة والطقوس. أما القس متي كان خفيف الظل ملماً باللغة يمتلك قابلية فريدة في نظم الشعر وقد عايشته ثلاث سنوات وبعد رحيله حل القس جميل نيسان (راعي كنيسة الصعود في بغداد) ثم القس أفرام يوسف وكان هذا أحد طلابي والقس ماهر نيسان والقس عماد بهنام والأب الدومنيكي نجيب موسى ( رئيس الآباء الدومنيكان) والقس بطرس هربولي الذي أصبح اليوم مطراناً وراعياً لأبرشية زاخوو الأب بولص الهوزي

 

قداسة مار طيماثيوس 

ومن قادة رجال الدين الذين نالوا مركزاً عظيماً عند أبناء سناط مار طيماثيوس مقدسي ( من القوش ) مطران أبرشية زاخو، وكان هذا المطران عالما وورعا يقوم بالخدمات الإدارية مشرفا على الكنائس بنفسه يزور القرى النائية في أبرشيته، وكان أبناء أبرشيته يؤمنون بقداسته ويروون عنه الأعاجيب منها.

كان في زيارة لقرية سناط، ويعتقد أنها كانت في الفترة بين سنة 1911 / 1912م وبينما كان بعد صلاة المساء واقفاً بتأمل جمال الطبيعة في القرية، مستنداً بمرفقيه على جدار الكنيسة يتطلع إلى الأفق شاهد القمر يخرج من بين الآكام القريبة، رآه بدراً أحمر وكأنه يلفظ دماً. بصق عليه وقال ( لا تباً لك من سنة شؤم خلالك سيصاب المؤمنون بأهوال ونكبات، فأنت سنة الدم ) ويؤكد الراوي وهويتذكر تلك الحوادث ( لقد وقعت أهوال وحوادث مؤلمة حيث وقعت حينها السلطات العثمانية فرماناً في قضاء السلوبي يقضي بذبح المسيحيين وقد أقدم الشرير مسطوميرايا على تنفيذه وقتل الكثيرين لكن ملا عبد الله ( امام ربن ) رفض أن يعطي الفتوى بقتل المسيحيين. لقد اعتبر أبناء سناط قول مار طيماثيوس نبوءة تحققت. من الآباء الذين رعوا كنيسة سناط أيضاً منذ القدم (القس بطرس) وقد خلفه أيضاً إبنه (القس بطرس) وكان أسمه بولص لكنه عندما رسم كاهناً اختار اسم والده بطرس

وللقس بطرس قصة رفيعة في معناها ومهمة في فحواها وهي في غاية الحكمة والتضحية من أجل سلامة القرية. إذ قتل أحد الأشخاص من أبناء سناط ولده فقام عشرة رجال من عشيرة زيا (عشيرة المقتول) ودفنوا القاتل ولم يتركوا خارج التراب إلا رأسه عرضة للذئاب وبنات آوى، حين علم القس بطرس أخرجه أعلن عن عفوه عنه وإضافة إلى ذلك زوجه ابنته. بذلك أخمد الفتنة التي كانت ستشتعل في القرية. ومن أبناء القس بطرس داؤد الشماس وأخيه لويس الشماس وروفائيل وكلهم كانوا متضلعين في لغة الأم يتقنون الطقوس. وقد درس الشماس داؤد اللغة السريانية في سناط وأومرا ويردا وألانش وتعلم على يده الكثير من الشمامسة ومن تلامذته القس بولص حنا الهوزي والقس شليمون داؤد والقس عوديشو سليمان والقس ليون والقس كوركيس من ألانش أما شقيقة الشماس لويس فقد كان معلماً للغة السريانية في مدرسة سناط ويروي الياس متي عن جده الشماس داؤد أنه كان شاعراً له الكثير من القصائد لكنها ضاعت في القرى حيث لم تكن مسجلة بل كانوا يرددونها ومن إحدى قصائده هذه المقطوعة الطريفة قالها في استقبال المطران اسطيفان كجو

(مطران البصرة) حين وصوله إلى زاخو وتسلمه كرسي أبرشية زاخو عام 1985. 

من طرائف الصوم 

كان أبناء القرية مؤمنين متمسكين بتعاليم الكنيسة يطبقونها بدقة وشدة منها الاستماع إلى قداس الأحد والاعتراف والتناول والصيام أيام الأربعاء والجمعة والصوم الكبير.

في الصوم الكبير كانت العائلة تمتنع عن تناول اللحم والزفر حتى الحليب ومشتقاته والبيض لفترة الصوم البالغة خمسين يوماً، ومن الحكايات الطريفة التي رواها لي القس متي روايتين إحداهما عن قس لكنيسته في زمن ماض. يقول القس متي عن موضوع الصوم وعن سذاجة الناس آنذاك أن أبناء القرية كانوا مؤمنين بسطاء لا يعرفون القراءة والكتابة بعيدين عن الحضارة لكنهم يمارسون الشعائر الدينية والفروض الكنسية حسب إرشاد القس راعي كنيستهم وكان القس إيشو أيضاً من هؤلاء البسطاء وأن كان ملماً بالطقوس ومتطلبات رعاية أبناء كنيسته دينيا كما كان طاعناً في السن وقد ضعفت ذاكرته ولأنه معرض لأسئلة الرعية حول الصوم والفترات الزمنية، ما مضى منها وما تبقى للعيد، وخوفاً من الارتباك كان يعمد إلى جرة صغيرة يضع فيها خمسين جوزة، وكان يأكل كل يوم جوزة واحدة منها، وما يتبقى من الجوز هي الأيام الباقية للعيد، في أحد الأيام رأته كنته يخرج جوزة من الجرة ويأكلها، وتكرر العمل في اليوم التالي، فما كان منها إلا أن تسرق من الجوز المتبقي، فإذا بها خمس جوزات، احتار القس وهويتذكر أنه لم يمض على الصوم سوى ثلاثة أسابيع، كيف إذن عبرت أيام الصوم هكذا سريعاً، عاد حائراً والكل بانتظار جوابه وما يقوله،وحين تلكأ ذكره أحدهم قائلاً : كم بقي يا أبتاه للعيد ؟ قال : أن كان على الجرة فالعيد بعد خمسة أيام، وإن كان على الأسابيع الماضية فهي حيرة، ووسط استفساراتهم وإلحاحهم حدثهم عن قصة الجوز فما كان من أحدهم إلا أن قال وعلام الحيرة يا أبتاه لنضع خمسين جوزة جديدة ونبدأ الصوم من جديد على شرط أن تحفظ جرتك في مكان أمين

وقد روى لي القس متي حادثة طريفة مشابهة أيضاً حول الصوم حصلت لأحد الملالي أيضاً في قرية نائية فقال : كان هناك ملا بسيط حفظ القرآن الكريم وتسلح بالأحاديث النبوية الشريفة والحكم بهما مما جعل أهل قريته يحترمونه ويثقون به وهم بسطاء أميون ولكن مشكلته الوحيدة هي أيام الصوم أيضاً حين يسألونه عن الأيام التي عبرت وعما تبقى منها فأستقر رأي الملا أن يعمد إلى حساب محسوس فهيأ له جرة صغيرة وفي كل يوم من بداية الصوم يأكل تمرة ويضع نواتها في الجرة. حين يسأل عن الأيام التي انقضت أو الأيام الباقية للعيد يعد ما تجمع من النوى فيعرف الأيام المنصرمة والأيام الباقية بذلك يقنع سائليه. يقال أن ابنته لاحظته يوماً يضع النواة في الجرة فاعتقدت أن أباها يجمع النوى لأمر في نفسه أو لحاجة مهمة فراحت هي الأخرى تأكل تمرة أوتمرتين وتضع النوى في الجرة وبعد مرور أيام سأله أحدهم في مجلسه عن الأيام التي صاموها والأخرى المتبقية وكما فعل القس عاد إلى جرته وعد ما فيها فوجدها 124 نواة تعجب لكنه قال على سجيته:

لقد صمنا يا ولدي مئة وأربعة وعشرين يوماً، والباقي لا يمكن معرفته، فهذه سنة غريبة والعلم عند الله

قد تكون الرواية الأخيرة غريبة عن الكتاب لكنني أوردتها كوسيلة توضيحية على مستوى معارف الناس آنذاك وبساطتهم وكيف كانوا يقضون أمسياتهم ويتسامرون بألفة ومحبة في غياب وسائل التسلية الحديثة كالمذياع والتلفاز وغيرهما

وأيضاً من طرائف أبناء سناط والتي تدور حول الإيمان والعبادة قصة حصلت مع القس متي ربان رواها لي أبناء سناط أكثر من مرة وأكثر من واحد في القرية كما أيدها الأب الراحل نفسه

القداس من أجل المرحوم 

(قصة حقيقية وقعت وليست من نسج الخيال)

ظل ( فلان ) خجولا متردداً كلما قصد الكنيسة في صباحات الآحاد للمشاركة في القداس، يخشى مقابلة القس وهوينال بركته ويشارك المؤمنين صلواتهم لأنه يشعر بالذنب المفروض عليه لأنه لم يف أباه حقه بعد وفاته كما يفعل الأبناء البررة فيقدمون القداديس عن راحة موتاهم لينالوا نعم الرب فيدخلوا ملكوته، كان الرجل يشعر كلما دخل الكنيسة أن الأعين تتجه نحوه تلومه وربما توهم أن أصواتاً مكتومة تعاتبه وتلعنه قائلة : ( أنت رجل عاق لم تعط أباك الذي رباك وزوجك أورثك البستان والكرم وتلك العنزات والبقرة حقه ) كانت هذه الكلمات التي يحس بها تحشر في أدنه خفية تلاحقه وتعذبه حتى نظرات القس متي باتت تؤنبه والقرية صغيرة وأبناؤها معروفون والقس متي لا ينسى صغائر الأمور وتوافهها فكيف ينسى أمراً كبيراً يقرر مصير إنسان في آخرته، شعر الرجل أن القس يلاحقه بنظراته وهو في الكنيسة وحين يصادفه في الطريق لا ينفك يذكره بطيبة أبيه المرحوم أحياناً يؤكد ( كان أبوك رجلاً طيباً يستحق منك الوفاء ) وأحياناً يضيف القس ( أنه في طريق الحق لكن موتانا في حاجة إلينا حين ينتظرون في المطهر بانتظار صلاة أو قداس يخفف عنهم سجنهم ويختصر أيامهم في لينعموا بالجنة ). كانت هذه الكلمات جمرات تلسع مسامعه وتكوي مشاعره، كما كان يتمنى أن يكون قادراً على دفع الدرهم أوالدرهمين بين وقت وآخر ليقيم قداساً عن راحة أبيه الطيب، وكم سيكون سعيداً حين يقف الكاهن ويطلعه بعد قراءة الإنجيل ويعلن أن القداس مقام عن راحة المرحوم فلان ابن فلان يقدمه ابنه الوفي فلان لكن الواقع أصعب من أن ينفذ تلك الرغبة التي راحت تعذبه وشعر في الآونة الأخيرة أن القس يلاحقه بنظراته في الكنيسة وخلال القداس، راح يتهرب من نظراته فيجلس في المواقع الخلفية وأحياناً يجلس خلف من هو أطول منه هرباً من نظرات الكاهن لكن الأب راح يتقصده بوضوح أكبر بل راح يذكر المؤمنين بدين الآباء على الأبناء الذين ينعمون بدنياهم وبما ورثوه عن آبائهم وواجب الأبناء في التخفيف عن ضيقة الآباء الذين يجتازون مرحلة المطهر التي قد تطول إلى قرون وقرون وعذاباتها أشد من عذاب النار وأن الله يحاسب الأبناء لتنكرهم لأهلهم

تفاقم الأمر عند صاحبنا وخرج يوماً من الكنيسة محطماً هارباً من وجه أبناء قريته يفكر في وسيلة تنقذه من هذا العذاب، استشار زوجته التي أجابت حزينة ( ماذا نفعل وفي دارك خمسة أفواه جائعة غيرنا، ماذا لديك وأنت عاجز عن تقديم ما يرضي القس ليقيم تلك القداديس ) فجأة هب الرجل واقفاً وهو يردد بعصبية ( البقرة. البقرة. البقرة وجدتها ) لقد وجد الحل الشافي فالبقرة عبء ثقيل علينا في هذا الشتاء الطويل وتقديمها إلى القس يكفي أن يقيم القداديس ليس من أجل المرحوم أبي وإنما ما يكفي لجميع موتانا. وقبل أن تناقشه زوجته ساق البقرة إلى دار القس وأنجز ما كان يتوق إليه وراح ينتظر الأحد القادم بفارغ الصبر وحين استيقظ في ذلك اليوم تهندم وقصد الكنيسة مرفوع الرأس واختار موقعه في الصف الأمامي من المصلين حيث يقابل الكاهن. ما أن انتهى القس من قراءة الإنجيل حتى راح يلقي موعظة مؤثرة يبارك أولئك الابناء البررة الذين يتذكرون موتاهم ويقدمون لهم العون لخلاص أنفسهم وكان الكاهن بين الحين والآخر يؤشر بيده نحوصاحبنا الذي طاب نفساً وخرج مزهواً متباهياً أمام أبناء قريته

تعاقبت الأيام والأشهر ولملم الشتاء رياحه وثلوجه ليرحل في دورته ويحل الربيع ببهائه فاخضرت الروابي وخرجت القطعان من المواشي ترعى غير بعيدة وفي أحد تلك الأيام عاد صاحبنا منهكاً من بستانه الصغير، جلس على صخرة على قارعة الطريق وقد وضع حمله إلى جانبه. مر قطيع البقر عائداً إلى القرية ولمح بقرته التي قدمها لخلاص روح أبيه، كانت تسير ببطء يعيقها ضرعها الممتلئ. ينبوع الحليب واللبن والزبدة التي حرم منها أولاده بينما معازه الثلاث العجفاوات لا تدر حليباً كافياً ( رحمتك يا رب.. وأنت يا أبي أعلم أن كانت بقرتي هذه قد أوصلتك إلى الجنة وهذا ما تمنيته لك، غفرانك يا رب ) قام من موضعه وعاد مهموماً وهو يراقب أطفاله الخمسة لا بد من عمل سريع. استيقظ صباحاً وقال لزوجته:

هيئي موضعاً لبقرتنا. نظفي الآخور والمعلف. (استغربت الزوجة وظنته يمزح لكنه قال مؤكداً) ستكون لنا اليوم بقرة يسعد بها الأطفال فأفعلي ما قلته لك.

استغربت المسكينة وهي واثقة أن زوجها لا يملك ثمن نعجة. انتظر الرجل عودة القطيع مساءاً وحول مسار بقرته إلى طريق بيته وما أن قاد البقرة مسافة حتى أسرعت البقرة إلى دارهم ودخلت الآخور الذي تعرفه جيداً والمرأة تراقبها بين تعجب وحيرة. وما أن استقرت البقرة أمام معلفها حتى وقفت زوجته بوجهه متسائلة

ما هذا يا رجل ؟

أنها بقرتنا، ألم تعرفينها.

كيف استعدتها، هل عدت واشتريتها من صاحبها وأنت لا تملك شيئاً ؟ 

أعدتها إلى الدار وهذا يكفي

وترك زوجته وسط حيرتها وقصد الساحة أمام الكنيسة يتسامر مع أصحابه.

في هذه الأثناء شوهد القس وأبناؤه وزوجاتهم يحملون الفوانيس ويقصدون السفوح القريبة بحثاً عن البقرة، عادوا متأخرين وهولا زال مع أصحابه مرحا مسروراً وما أن وصل القس حتى بادره بالسؤال:

ما الأمر يا أبتاه ؟ عما كنتم تبحثون ؟

قال القس باهتمام : لقد تخلفت البقرة عن القطيع، أنها البقرة التي أعطيتها من أجل روح أبيك

علام العناء يا أبتاه، لقد عادت البقرة إلى داري

كيف يا ولدي ومن أعادها ؟ 

بقيت بانتظارك لخبرك الحقيقة

كان الكل يراقب باهتمام الحوار الذي يدور بين الرجلين، أكمل صاحبنا:

لقد زارني أبي ليلة البارحة وكان مهموماً وقال لي ( أنت طيب يا ولدي قمت بواجبك تجاهي ولكنني لم استفد من تلك القداديس لأن مصيري كان مقرراً، أعد بقرتك فأولادك أولى بحليبها ولا تزيد من عذاباتي في الآخرة، اعمل بنصيحتي يا بني ).

ضحك الحاضرون كثيراً، وضحك القس وأولاده، وعبرت القصة بطرافة. بعد أيام شوهدت زوجة الرجل تحمل إناء كبيراً من اللبن إلى دار القس

 

مهرجان مريم العذراء 

يقع في 15 آب في كل سنة ويعتبر عيداً خاصاً بالقرية التي تستعد لاستقباله قبل حلوله بأيام إذ يشترك أبناء القرية باحتفال ديني جماعي في القداس الصباحي فتهيئ كل عائلة حسب مقدورها المعيشي وجبة متميزة وتعد القرية سفرة واحدة مشتركة فوق سطح الكنيسة يشترك فيها كل أبناء القرية، حيث يتناول الرجال ثم النساء والأطفال , وجبة غداء مشتركة وسط أهازيج وأغان وتهنيئات، وهذا اللقاء يتطلب من الأهالي أن يكونوا متاحبين متآلفين، عليه ينبغي على الوجهاء والغيارى أن يسووا كل الخلافات والمشاكل التي تفرق بعض الأخوة فيتم الصلح وتعود المودة وكأن القرية عائلة واحدة وأنا شخصياً كنت أقطع عطلتي الصيفية وأقصد القرية في آب لأحضر هذا المهرجان الكبير أما سبب اختيار هذا العيد من دون الأعياد الأخرى ليكون يوم سناط المتميز فهناك مبررات يتناقلها أبناء القرية وروايات تروى عن سبب اختيار ذلك اليوم لاحتفال يعيد مريم العذراء. تقول الرواية الأولى أن صخرة عظيمة كانت على السفح المطل على القرية ولا زالت، وقد لاحظ أبناء القرية أن الصخرة تزحف نحو القرية ببطء وسط قلق وخوف العوائل لأنها أن واصلت زحفها أوتدحرجت ستدمر العديد من البيوت بمن فيها من بشر وحيوان وراح الناس في ذلك اليوم العظيم الذي صادف عيد مريم العذراء يستنجدون بها من تلك الكارثة، وبالفعل توقفت حركة الصخرة وثبتت في موضعها ولم تصل إلى البيوت بثقلها الذي يتجاوز مئات الأطنان، وقد آمن الناس أن مريم العذراء وبمناسبة عيدها أنجدتهم وأنقذتهم لذلك اعتبر ذلك اليوم عيداً متميزاً تقام فيه الاحتفالات والمهرجانات وتشترك القرية كما ذكرنا بوجبة غداء لكل أبنائها

أما الرواية الثانية فتقول أن وباء الحصبة ألم بالقرية وراح يحصد أطفال القرية بدون أن تجد القرية ملاذاً للخلاص منه، وصادف أن حل عيد مريم العذراء فأقاموا صلاة تذرعوا بها لتنقذهم فتوقف ملاك الموت عن حصد أرواح الأطفال في القرية واعتبر ذلك اليوم يوم بشارة وعيد متميزا وجعلوه مهرجاناً يقيمونه كل سنة

وفي رأي الخاص أن هناك وباء آخر غير الذي حصل في 1955م وتتحدث عنه في كل مكان، فالرواية صحيحة أما أن قصد ذلك الوباء الذي عايشته في القرية فذلك خطأ لأن موسم الوباء لم يمتد حتى الصيف أي في آب حيث يطل عيد مريم العذراء مع ذلك فالقرية تعتبر ذلك اليوم مشهوداً ولا زال الأبناء في غربتهم حيثما كانوا يحتفلون به ويقيمون الأفراح وشاهدت أبناء سناط في بغداد يقيمون المهرجان في إحدى الكنائس أو الحدائق الملائمة أو القاعات كل سنة

المدرسة 

منذ أن نشأت سناط كقرية مسيحية ومنذ وجود الكنيسة ورعايتها من قبل القس كانت هناك مدرسة ودراسة دينية تقتصر على دراسة اللغة السريانية والطقوس الدينية والصلوات والمزامير وأشتهر منهم الشمامسة، إذا كانوا متضلعين في اللغة السريانية وأمور الدين والتعليم المسيحي واشتهر منهم في زماني الشماس ( عودوداوا ) و( لويس القس بطرس ) الذي أصبح قيما بعد معلما للغة السريانية في المدرسة وأخوه الشماس ( داود بطرس ) والشماس (اوراها) وغيرهم

وللشماس يوحنا صيادا رأي حول تأسيس المدرسة في سناط إذ يقول مجيباً عن سؤال السيد جميل زيتو: في خريف عام 1931م فتحت مدرسة سناط أبوابها لاستقبال التلاميذ. وكان المعلم الأول الذي باشر التعليم فيها السيد هرمز روفا من أهالي تلكيف ( ويصفه بشاب أنيق طيب وغير متزوج ) واتخذوا من دار السيد شمعون بحينا أو بولص خلف مكاناً لها عند مدخل القرية من الجهة الغربية وانتظم للدراسة فيها ما يقارب الستين طالباً وما زلت أتذكر أسماء بعضهم منهم شقيقي شمعون / كوركيس شابيكا / ميخائيل أخوه / الشماس روفائيل ميخائيل / الشماس أوراها ججو/ الشماس اسحاق متي / رزقوكمنا، وغيرهم

ويتحدث الراوي عن التعليم والمواد التعليمية مثل كتاب القراءة الألف باء والمحفوظات والحساب والنشيد والأعمال اليدوية والأخلاق، ويروي إحدى القصص الطريفة من ذلك العهد حول الدراسة ثم يكمل يوحنا قائلاً : في السنة نفسها حصلت الانقسامات والتحزبات العائلية وهذا ما يحصل حين تقبل القرية على اختيار مختارها الذي يسمى رئيساً ويقول يوحنا :بعد نقل المعلم هرمز حل محله المعلم فرنسيس كرمووالد المطران كوركيس ويصفه بشخص طويل القامة ضعيف النظر.وقد طالب هذا دائرة المعارف في الموصل بغلق المدرسة لعدم جدواها ( لكن الراوي يقول في الحقيقة لعدم تأقلمه مع جو القرية ) فلبيت دائرة المعارف طلبه وتم غلقها لعام واحد ويذكر أن الدراسة كانت في المرحلة الابتدائية فقط خمس سنوات لكنه تم إعادة فتح المدرسة في 1934م وأكثرية أبناء سناط يعتقدون أن هذا التاريخ هوالذي ابتدأت فيه الدراسة

هكذا كانت الدراسة الأولى في القرية وفي الثلاثينيات 1934م تم فح مدرسة حكومية تابعة لوزارة المعارف، وكان أول من باشر التعليم في مدرسة سناط الابتدائية المرحوم ( هرمز روفا ) من أبناء تلكيف ثم المعلم ( فرنسيس كرمو) وقد كانت الدراسة غير منتظمة لعدم تعاون أبناء القرية مع الإدارة لاستمرار ومواظبة الطلاب لذلك أغلقت لفترة وأعيد فتحها وبقيت حتى سنة 1976م يوم ترحيل أبناء القرية.

ولأن سناط بعيدة لا تصلها وسائط النقل كالسيارات. كان المعلمون يتذمرون حين يرسلون إلى القرية ويعتبرون أنفسهم معاقبين أومنفيين، لذلك كان الالتزام قليلاً والإخلاص نادراً من قبل المعلمين والإدارات وكذلك لعدم وجود الرقابة على سير التدريس، ويوم كان يصل المفتش التربوي لم تكن هناك أية محاسبات أوعقوبات، وبرغم ذلك أهتم بعض الأخوان في تطوير الدراسة والمدرسة وكان لهم الأثر الكبير في تطويرها وتخرجت دفعات من الطلبة وواصلوا دراستهم في زاخووالموصل وفي غيرهما من المدن

ومن المد راء الذين أتذكرهم قبلي ( شمعون / ناظم / ) من تلكيف ( جرجيس اسحق ) من القوش ( زيا بولص ) من تللسقف ( حازم هرمز ) من القوش وكاتب الأسطر ( سعيد شامايا ) من القوش ومن بعدي جاء الأخ ( يوسف زيتو) الذي كان محط آمال القرية وبالفعل بذل جهده من أجل قريته ومدرستها فتطورت الدراسة والمواظبة فازداد عدد الطلاب

يوم باشرت معلماً في مدرسة سناط عام 1952 –953م، وكان هناك زميل آخر ( حازم هرمز الريس ) والمدرسة تضم أربعة صفوف وعدد طلابها لا يتجاوز الأربعين طالباً، وبعد التداول مع آباء القرية ووجهائها من أجل تطوير المدرسة، توصلنا إلى مبدأ قبول البنين والبنات واستحداث الصف الخامس، واستطعنا أن نقنع خمسة طلاب كانوا قد أنهوا الصف الرابع وتركوا المدرسة ليواصلوا في الصف الخامس، ورحنا نزع الدروس للصفوف الخمسة بيني وبين السيد حازم، فالصف الأول والثاني في غرفة واحدة الثالث والرابع في غرفة والخامس في مكان صغير جعلناه صفاً، ولم نتبع جدول الدروس الأسبوعي المتبع في المدارس الأخرى وإن كنا ندون كل شيء بشكل أصولي لجدول الدروس الأسبوعي وجدول توزيع الحصص ودفاتر التحضير اليومي وسجلات الدوام اليومية وكنا نرسل ما هومطلوب إلى مديرية المعارف في الموصل، كان كل شيء منتظماً شهرياً وخصوصا على الورق لكننا في الحقيقة كنا نقوم بالتدريس الفعلي للدروس العلمية وبحصص طويلة خاصة العربية والحساب أما الدروس اللاصفية كالرسم والرياضة فنمارسها في الهواء الطلق وبحرية وكذلك الأعمال اليدوية والرسم فيصنعون أشكالا جميلة من الطين أوالخشب وفي نفس السنة التحق كل من ( جلال بطرس أومو) الذي كان مريضاً نفسياً أرسل فقط للراحة والاستجمام، كما جاءنا ( محمد الصفار ) وأصبحت في النصف الثاني مدير المدرسة وأصبح تركيزنا على الدروس العلمية وفي السنة نفسها أفلحنا في نقل المدرسة من بنايتها القديمة إلى بناية السيد أيليا ( بي شليمون ) وتعددت الغرف منها للصف الأول والثاني وأخرى للصف الثالث والرابع وثالثة للصف الخامس وغرفة داخلية للإدارة، نجح طلاب الصف الخامس فاستحدثنا الصف السادس وكان ملاكنا عام 1953- 1955 أفضل حيث نقل كل من السيد ( حازم ومحمد الصفار / جلال ) وجاءنا السيد ( يوسف زيتو) صديقي منذ أيام الدراسة ومعهم آخر اسمه ( فرج العطار ) من تلكيف وكان الأخير مطيعا منفذا لطلبات الإدارة من أجل إعداد الصف السادس والخامس بشكل جيد فاستمرت التدريسات بشكل جيد وجدي والمواظبة أفضل مما كانت عليه وأدخلنا أسلوب الحصص والدروس الإضافية للصف السادس وكثيراً ما كنا نأخذ الصف السادس بعد الدوام إلى بستان أوفسحة أوإلى داري أودار المرحوم يوسف ليتم تدريسهم الدروس الإضافية والأساسية كالرياضيات واللغات والعلوم

 

مكافحة الأمية 

بعد انتقال الصديق (يوسف زيتو) إلى قريته، مشحونا بالهمة، فكرنا في مشاريع كثيرة وكان أبسطها فتح صف لمكافحة الأمية وبالفعل استحصلنا موافقة المعارف على شرط أن لا نطالب بالأتعاب والمحاضرات أوأي مصاريف أخرى مكتفين بإمكانية استعمال الصفوف واللوازم المدرسية والطباشير. اتفقنا أنا والأخ ( يوسف ) أن يكون أسلوب التدريس غير منهجي أو بالأسلوب المتعارف عليه وكان أكثر المداومين أصدقاء لنا نسهر معهم ونصطحبهم في جولاتنا أو إلى الصيد لكنهم كانوا محرومين من نعم القراءة والكتابة لذلك اخترنا أسهل الطرق وأكثرها تشوقاً وكان عددهم ستة عشر طالباً (16) شابا أعمارهم مقاربة لأعمارنا ثم تناقص عددهم حتى أصبح أحد عشر (11) بينهم اثنان في الأربعين من عمرهم وكانت المواد التي ندرسها القراءة والكتابة والحساب والثقافة العامة ( تشمل العلوم / الجغرافيا / التاريخ ) وكان درس الثقافة العامة ملذاً بالنسبة إليهم حتى أننا اشترينا مدفأتين خشبيتين من السيد بطرس حنا كاكو بمبلغ (1.500) دينار ونصف وهكذا كان الشباب يقصدون المدرسة مساءً وكل يحمل قطعة خشب للمدفأة مشاركة منه في التدفئة.

كما قد اشتريت راديو يعمل بالبطارية الجافة ( ذو الصمامات حيث لم يستعمل بعد الترانسستور ) وكان أول راديو يدخل القرية فكنت تشاهد المرحوم منصور كموره حاملاً الجهاز متوجهاً إلى المدرسة وكان الجهاز أفضل وسيلة إيضاح حيث تطول فترة درس المعلومات والثقافة العامة حيث نسمع الأخبار ونعلق عليها موضحين على الكرة الأرضية التي اشتريناها لهذا الغرض ومن خلال ذلك تحصل مداخلات جغرافية وتاريخية أو نتحدث عن المجتمعات والشعوب والحضارات ولماذا تتصارع الفئات وأشهر الحروب ونتائجها ولم تكن المدرسة هي المستقر الوحيد لصف مكافحة الأمية إنما كنا ننتقل أحياناً إلى غرفتي أو إلى دار السيد يوسف زيتو أم إلى دار أحد الطلاب من المكافحة لنكمل حديثنا ودروسنا الثقافية وأحياناً يصاحب ذلك سمر وشرب ودراسة. ولم نصدق كما لم يصدق أبناء القرية أن بعض طلابنا وبعد شهرين فقط بدأوا يعالجون قراءة بعض الجمل في جريدة الزمان التي كنا قد اشتركنا فيها وتصلنا باستمرار

أجل لم تربطنا مع طلابنا علاقة الأستاذ بتلاميذه حيث كنا نعطي لهم الحرية الكاملة وأحياناً حتى نخوض في مشاكلهم لكننا كنا نحظى بحبهم واحترامهم كأصدقاء مخلصين لذلك حققنا نتائج جيدة لم تكن بالحسبان فقربت الشباب من بعضهم كما وحدت أبناء القرية وعلى ذلك الأساس امتد نشاطنا الاجتماعي إلى خارج حدود المدرسة والقرية وأقمنا الاحتفالات والسفرات خاصة سفرات الصيد وحين قدمنا تقريرنا إلى مديرية المعارف وجهوا لنا كتاب شكر بائس لكن النتيجة كانت تأخير ترفيعي من 10 إلى 12 دينار الأصلي لمدة خمسة أشهر بسبب أن المفتش لم يزرنا لتلك الفترة لانقطاع الطرق بسبب الثلوج

بعد انتقالي (1955-1956م ) تسلم الإدارة السيد يوسف زيتووكان نعم الزميل ونعم الابن البار لقريته حيث استمر تطور المدرسة خاصة بعد أن بنيت البناية الجديدة في أرض تملكها عائلة السيد يوسف زيتو. ومن المفيد أن نذكر الوجبات الأولى التي تخرجت من مدرسة سناط كما يقول السيد جميل زيتوفي كراسه

أ‌- الوجبة الأولى تخرجت عام 1944م 

يوسف زيتو( المذكور الذي أصبح مدراً للمدرسة )

بطرس حنا ( الذي عمل في القرية عدة أعمال يدوية وفنية ثم رحل إلى بغداد ليعمل موظفاً ومن ثم هاجر إلى أمريكا ). 

فيليب خمو( الذي أنهى دراسته في أمريكا وعمل كخبير للصواريخ في قاعدة للصواريخ وتوفي هناك بمرض داء الملوك

ب‌- الوجبة الثانية التي اجتازت المرحلة الابتدائية بعد سنتين وهما ميخائيل زيتوشقيق يوسف زيتووبولص الذي أصبح كاهناً ولا زال في أبرشية زاخو، بعدها استمرت المدرسة تتراوح ما بين تعثر الدراسة واستمرارها حتى جاءت الوجبة الثالثة 1954 – 1955م كما ذكرت، حيث أعدنا فتح الصف الخامس ثم السادس ثم استمرت المدرسة تخرج طلابها بانتظام ومن هذه الوجبة ( وديع منصور / جميل زيتو/ نيسان جبو/ لوقا صبي / يوسف ميخائيل ) وتعرض الأخير إلى التهاب الكلية مما تسبب عدم اشتراكه في الامتحانات العامة أما الأربعة فقد أكملوا دراستهم واصبحوا معلمين في قريتهم.

وبعد استلام أبناء القرينة زمام الأمور التعليمية في القرية، تقدمت المدرسة عدداً ونوعاً وتخرخ منهم معلمون وموظفون، ومنهم من درس في المدارس الكهنوتية فأصبح كاهناً أوفي مجالات الصحة أو الهندسة. ويقول السيد جميل زيتو في دراسته ( سناط في الذاكرة ) ( من المعلمين الآخرين من أهل القرية الأخوان جبرائيل نيسان / هرمز طليا / وديع منصور / سعيد متي / لوقا صبي / نيسان جبو/ متي يونان / منصور ميخائيل / بطرس أيشو) ومؤلف الكتاب (يقصد سناط في الذاكرة ) الذي تبوأ مناصب كثيرة في تربية محافظة أربيل، مدير تخطيط، مشرف تربوي، معاون المشرف الأول، ومن الذين حازوا على شهادات عليا الأستاذ الدكتور ( صباح شمعون ) دكتوراه علم النفس من جامعة لندن والمرحوم (فيليب خمو) دكتوراه في علم الفلك ( كما سبق ذكره أنه عمل في مجال قاعدة الصواريخ في الولايات المتحدة الأمريكية).

وأعود إلى موضوع مهم وهو تشجيع مواظبة البنات في المدرسة إذ تعاون المعلمون مع أهالي القرية لإقناع العوائل لإرسال بناتهم إلى المدرسة وفي عام 1952م تم قبول سبع فتيات في الصف الأول ولكن المشكلة أن الفتاة تنقطع لمساعدة أمها في إدارة شؤون البيت حيث تغيب الأم في البستان أو الحقل أو العناية بحيواناتها ( البقر / الغنم / الماعز ) كما أن الفتاة في القرية قلما كانت تصل العشرين من عمرها في دار أبيها ولولا تدخل الكنيسة التي جعلت أقل سن للزواج الرابعة عشر سنة، وكانت تحصل بعض الحالات يحتال بها على الكاهن لتتزوج فتاة في الثالثة عشر من عمرها مما لا يشجع الأهل في أن تستمر الفتاة في دراستها

 

أهم الأعمال التي كان يزاولها أبناء سناط 

أهم الأعمال التي زاولها أبناء سناط هي الفلاحة والتجارة، وكانت ملائمة لوضعهم لأنها أعمال موسمية ووضع القرية يتميز بانقطاعهم عن المناطق الأخرى لفترة طويلة أيام الشتاء، لكنه بالرغم من عدم وجود طريق معبد صالح للسيارات وبالرغم من انقطاع طريق القوافل بسبب استمرار تساقط الثلوج شتاءً وتراكمها لفترات طويلة، إلى أن القرية اعتبرت مركزاً تجارياً ومحطة مهمة بالنسبة إلى القوافل القادمة من تركيا إلى زاخو أو بالعكس حتى أنها كانت مأوى للمهربين المتنقلين بين الدولتين يلجئون إليها للراحة وللتزود بالطعام ولوازم السفر، وقد امتهن بعض أهالي سناط مهنة نسج الملابس المحلية ( شل وشبك ) ويقول يوحنا صيادا أنهم كانوا سابقاً يصنعون الخام الأسمر (الجابان) من القطن وكانوا يسمونه ( كراوة ) وكانت تصبغ. هذه كانت الأقمشة الرئيسية التي يستعملها الرجال والنساء لارتدائها حيث لم تصل بعد الأقمشة الأجنبية كما كانوا يصنعون الصابون من مادة الدهن خاصة دهن الدببة التي كان يكثر صيدها في تلك المناطق، مضافاً إليه دهن حبة الخضراء وتصنع على شكل قوالب.

(هنا لا بد أن أشير إلى جهود السيد جميل ومقابلاته مع المعمر يوحنا كوركيس شمعون من أهالي قرية مير والملقب بصيادا ولقاؤه يوم الجمعة 4 / آب / 2000 م وهنا يعود السيد جميل ويورد بعض الصفات الحسنة كالذاكرة الجيدة للرجل وما يتذكره عن تاريخ المنطقة وأحوالها ).

التجارة 

 

كان أكثر أبناء القرية يمارس الأعمال التجارية البسيطة أي البيع والشراء والمقايضة، فمن يوفر مبلغاً يشتري دابة ( بغلاً أو حماراً ) يتنقل بها من القرية إلى زاخو أو إلى القرى الأخرى ناقلاً منتجات القرية من الفواكه المجففة أو ما يرد إلى القرية من الحدود التركية من مواد ولوازم ومنتجات صناعية، يبيعها في زاخو ويشتري السكر والشاي والتمر والنفط وحاجات أخرى الغير متوفرة في القرى التركية الحدودية يقايضها مع القبائل الكردية في تركيا وقد راجت هذه التجارة بعد أن عبدت الطرق في تركيا، والقرية من الحدود العراقية فراحت القرى الكردية في تركيا تتزود من المنتجات التركية كالمطاط والبلاستك والأسلحة والفواكه المجففة كالجوز التين والفستق والبطم والبندق، ولا زلت أتذكر يوم كانت العملة التركية قزماً صغيراً مقابل الدينار العراقي فتباع بندقية الصيد الجيدة بمبلغ خمسة دنانير وصفيحة وزنها أكثر من عشر كيلوات بندق أوبطم بخمسة دراهم

وهنا أورد حادثة عن تلك التجارة والتي وقعت قرب سناط

لقد استيقظ أبناء القرية يوماً في خريف 1954م وإذا بالبساتين والسفوح والوديان مملوءة بالأغنام السائبة وراح كل واحد يجمع ما يستطيعه ويبيعه بأثمان رخيصة، مثلا الشاة الواحدة بدينار واحد، بعد ذلك علمنا أن قطيعاً كبيراً تعداده خمسة عشر ألف رأس يقوده عدد من الرعاة الأتراك باتجاه الأراضي العراقية ومالكه تاجر من الموصل، فاجأتهم الشرطة التركية (الجندرمة) ولم تدعهم يعبرون بأمان بل حصل اصطدام مسلح وقتل من الجانبين وعلى أثر ذلك تشتت القطيع ما بين تركيا والعراق، وتلذذ أبناء سناط بلحم الأغنام أواحتفظ بعضهم به مكبوساً أو مقدداً، ولكن ما أن مرت أيام حتى جاء مدير الناحية يصحبه ضباط شرطة شرانش ومعهم آخرون، وراحوا يجمعون من أبناء القرية والقرى المجاورة أثمان تلك الأغنام عنوة

 

الزراعة

 

الزراعة هي العمل الرئيس لأبناء القرية، والأرض فيها موزعة على جميع العوائل بصورة متفاوتة وبالرغم من محدودية المساحات الصالحة للزراعة، إلا أنها أرض خصبة جيدة مروية خالية من الأملاح، والأمطار وفيرة إضافة إلى السواقي التي تتزود مياهها من نهر سناط

وأهم ما يزرعه أبناء سناط الحنطة والشعير والذرة والماش والرز، هذا بالنسبة للحبوب، وقد نجحت مؤخراً زراعة البطاطا، إضافة إلى الخضر الطازجة خصوصاً الطماطة، وتطورت خبرتهم في زراعتها فازدادت محاصيلهم مع العلم أن زراعة الطماطة والبطاطا حصلت قبل الحرب العالمية الأولى ومنهم من يقول أن ذلك حصل بعد دخول الإنكليز

( وهناك رواية تشير إلى بدء زرع الطماطة في القرية ستذكر فيما بعد )

كما تشتهر القرية بفواكهها، فالبساتين غنية بأشجار الجوز والتين والرمان والعرموط والخوخ، ولكن أبناء سناط لا يستفيدون من هذا الكم الهائل من المنتوج إلا ما يصلح منه للتجفيف والعصر كالتين والعنب ( الزبيب ) أو الجوز واللوز، لأن الخضر والفواكه الطرية لا يمكن نقلها إلى المدن مثل زاخو التي تعتبر أقرب مدينة، فهي تبعد قرابة خمسين كيلومتراً تقطعها القوافل بمدة لا تقل عن عشر ساعات تتعرض خلالها الفواكه إلى التلف، كما أن منتوج القرى المجاورة أيضاً يفيض عن حاجتها أيضاً، وسنتطرق في مجال الصناعات إلى أسلوب تجفيف هذه الفواكه وعصرها

كما تعتبر تجارة الخشب التي تزرع في سناط مهمة جداً للقرية إذ تزرع كل عائلة الكثير من أشجار القوغ (السبندار) بكثرة وتباع لتجار زاخو والموصل بأثمان مغرية، وهذه الأشجار لا تحتاج إلى عناية كبيرة لأن المياه تصلها تلقائياً وحتى في نقلها، وبعد أن تقطع تنقل إلى نهر الهيزل وترمى فيه ليأخذها التيار عن طريق النقل المائي إلى قرب زاخو

ويمكن القول أن جميع عوائل القرية تعمل بالزراعة وتمتلك حقلاً أو بستاناً أوكرماً

 

 

 

 

تربية الحيوانات

أهتم أبناء قرية سناط بتربية الحيوانات خاصة الأغنام والماعز ومنهم من كان يربي البقر كما سعى أبناء القرية لامتلاك الحمير والبغال لاستخدامها في نقل البضائع والركوب في تلك الطرق والوعرة

وظروف القرية مشجعة لتربية الحيوانات واقتنائها لوجود المراعي الكثيرة حول القرية وهي مراع طبيعية، وكما ذكرنا في مكان آخر قد تبقى قطعان الماشية خارج القرية طوال أيام السنة لكن في الشتاء كانت تؤخذ إلى جنوب القرية هرباً من البرد القارس والثلوج المتراكمة أما في الصيف كانت تنقل إلى أقصى الشمال قرب الحدود التركية حيث المرعى والمناخ الملائم

أما في البيوت فكانت العوائل تربي الدجاج للبيض واللحم، ومن اللطائف أنني حين التحقت بوظيفتي كنت حديث الإقامة في القرية فأرسلت أحد طلابي ليشتري لي دجاجة، فأشترى ديكاً سميناً كان يزيد وزنه عن الكيلوغرامين بمبلغ خمسين فلساً، في اليوم الثاني عاتبني عريف المخفر والشرطه قائلين : ( أنكم تفسدون أبناء القرية لأننا ما كنا نعطي ثمناً للدجاجة مهما كانت أكثر من ثلاثين فلساً) واحسرتي ! أما في الربيع فقد كان من الطبيعي أن نشتري الخروف بثمانية دراهم أو بنصف دينار

ومن الاعمال الأخرى التي كان يمارسها بعض أبناء القرية كعمال مياومين ( يشتغلون بالأجرة اليومية ) وهذا كان نادراً إذ كانت الأعمال تنفذ ( إن زادت متطلباتها عن وجود العائلة ) بالمشاركة والتعاون مع العوائل الأخرى، لكن بعض العوائل كانت تمتلك أراضٍ وبساتين واسعة ومزارع كبيرة أكبر من طاقة العائلة لذلك كان يتم تأجير بعض العاطلين بأجور يومية زهيدة، كما أن بعض العوائل قد نزحت من القرية إلى المدينة وتركت أرضها لكنها تبقى متشبثة بمنتوجها، لذلك تلجأ إلى أولئك العمال تؤجرهم بأجور يومية

أما في الربيع وبداية الصيف يسافر الكثير من الشباب إلى السهول للاشتراك في موسم الحصاد وكانوا ينالون أجوراً مجزية ويعودون بعد شهر أوشهرين إلى القرية مزودين بما تحتاج إليه العائلة من مؤونة وحاجيات ولوازم

أما الأعمال الحرفية اليدوية، أيضاً كانت محدودة لعدم وجود سوق رائجة ولانعزال القرية عن القرى الأخرى كما أن أكثر العوائل كانت تحصل على ما تحتاجه من اللوازم والعدد من زاخو والموصل

ومن أصحاب الحرف المعروفة هناك عائلة ( متي أبلحد ) اختصت بالنجارة ومنتوجاتها كانت تكفي لتلبي حاجة العوائل الأخرى، وكانوا يستخدمون في صناعتهم العدد اليدوية المرهقة لذلك كانت المنتوجات محدودة ولكنها تتميز بانتجاها الفني والجيد، منها الكراسي والأرائك والأبواب والشبابيك والخزانات والأدوات والعدد الزراعية

أما الحدادة فقد اختص بها ( زرو) الذي كان يصلح أوينتج العدد الزراعية الخفيفة. كما أن ( يوحنا أبن صيادا ) اختص بالحياكة وكان يستعمل المنول والجومة القديمة

كما اشتهر ( صبي كمورا ) كقصاب معروف يذبح كل يوم أحد شاة واحدة وإضافة إلى ذلك كان يعمل في تقطير العرق الرديءأما الشراب فكان إنتاجه المهنة الشائعة بين جميع عوائل القرية تنتجه، في موسم عصر العنب الذي يفيض عن حاجة الناس للأكل أوالتجفيف، فيعصر خمراً أودبساً، ولعملية عصر العنب تقاليد جميلة حضرتها مرات عديدة في الكروم، والقرية مشهورة بكرومها والدوالي المنتشرة في البساتين أيضاً منها التي تتسلق على الأشجار العالية وهناك نوع من العنب تنفرد القرية به وتفتخر، يتميز بطعمه الحلوجداً ويعطي ليونة قليلة في الجهاز الهضمي ( إسهال ) بصورة مؤقتة، وهذا النوع هو أصلح أنواع العنب لصنع الخمور وهذه الخمور أيضاً تستهلك محلياً، وكما قلنا أن مناسبة عصر العنب تعتبر احتفالية تشترك فيه العوائل بأكملها وتتعاون عدة عوائل لإنجاز العملية، وفي كل كرم توجد معصرة وهي عبارة عن حوض مبني من الحجر النظيف والكلس يوضع فيه العنب الناضح ويبدأ الشباب بالمراوحة عليه بأرجلهم النظيفة، وفي نهاية الحوض أنبوب يصب العصير في حوض أصغر تتم فيها عملية التصفية، ثم إلى قدر كبير يسخن حتى يصبح قوامه كثيفاً ( هذا إن كان الغرض صناعة الدبس ) ويعبأ في الأواني الفخارية ويحفظ كمادة غذائية ويسمى بالكردية ( دوشاب ) وبالسريانية ( ميبوختا ) أما العصير الذي يراد به خمراً فلا يسخن بل يعتنى بنظافته ويعبأ أيضاً في أوان فخارية وتغلق فوهة الإناء جيداً بطبقة من الطين، ويوضع الإناء داخل حفرة في الدار لمدة أربعين يوماً يتحول العصير إلى شراب، وتعتني العوائل في حفظ كمية منه إلى فترة طويلة والعوائل المتمكنة تختزنه لسنين ليغدو شراباً معتقاً

وتعتبر ليالي عصر العنب وسهراتها في الكروم من الاحتفالات التي ينتظرها الشباب حيث تذبح الخرفان وتقام الولائم التي يغني فيها الشباب ويرقصون وتدور الأحاديث الممتعة وتطول السهرة إلى ساعة متأخرة في عمل وتسلية وأحياناً تستمر حتى شروق الشمس

أما تجفيف الفواكه خاصة التين فكان يترك على الشجرة حتى ينضج جيداً ثم يؤخذ نظيفاً ويفرش على سطح مستوي بطبقات الواحدة فوق الأخرى ويضغط عليها لتصبح أقراصاً متماسكة وتترك لتجف وتحفظ لوقت الشتاء وتسمى ( بلله

وهناك طريقة أخرى لتجفيف التين وهي أن تترك الثمرة على الأشجار حتى بعد نضوجها، حينها تبدأ بالذبول والتساقط بسهولة بحبات غير متماسكة

أما الرمان فهو أيضاً كثير في القرية يحفظ في أماكن باردة مع الاعتناء على أن لا تسحق الرمانة أوحباتها في الرمانة ( لأن الثمرة المسحوقة تتخمر وتتلف الثمر بأكملها ). أما بعض العوائل فكانت تعمل على عصر الرمان وتعبئته في أوان نظيفة أوتضيف إليه السكر ليقدم شراباً لذيذاً ومفيداً

وهناك طريقة بدائية لحفظ التفاح بواسطة عزل التفاحات السالمة ووضعها في الرماد، بحيث يعزل الرماد الثمرة عن الأخرى ويحفظ في جو بعيد عن الحرارة. وهناك طريقة لطيفة كان يتبعها أهل القرية في حفظ عناقيد العنب الطازجة إذ كانوا ينتقون العنقود الكبير ويعلقونه بحبل أوخيط ( تلاي ) أي المعلق وينتزعون كل فترة حبة عنب توضع في نهاية العنقود ( أي في مقطع العنقود ) ليمتص سائل الحبة وحين تذبل الحبة يعوض عنها بحبة أخرى، وهكذا يمكن أن يحتفظ العنقود بطراوته حتى أواخر كانون الثاني. وكان هناك بعض الأنواع مثل عنب ( قرطو) يبقى فترة طويلة على الشجرة طرياً أي حتى بعد عيد الميلاد

أما جني الجوز فتلك أيضاً كانت مناسبة سعيدة، والقرية مشهورة بأشجار الجوز وقد برع بعضهم في عملية نفض الجوز خاصة وأن شجرة الجوز كبيرة ومترامية الأطراف، والتنقل بين أغصانها العظيمة يحتاج إلى جرأة ومهارة، وكان النافض يستعمل عصا طويلة تسمى ( دهرته ) وكان يستفاد من القشرة الخارجية للجوز في صبغ الملابس، وكانت الواحدة من بعض أشجار الجوز تغطي العشرات من بيوت القرية

ومن الصناعات الشعبية المنـزلية، صناعة مربى اليقطين إذ كانت القرية مشهورة بزراعة القطين الذي كان يشترك في الكثير من الوجبات الغذائية مطبوخاً ومن الأكلات الخاصة التي كان يقشر فيها طرياً ويقطع إلى قطع صغيرة ثم يسخن قليلاً ويوضع عليه الدبس ليتحول إلى ما يشبه المربى ويؤكل مع الزبدة ويسمى ( بلجكي ). 

أما صناعة الألبان المنزلية فكانت تجري في كل العوائل، لأن العوائل بأكملها كانت تهتم باقتناء الأغنام والماعز وبعضهم باقتناء الأبقار أيضا، وفي موسم الربيع كانت الأغنام تحلب لأول مرة وتعتبر المناسبة عيداً محلياً تخرج فيه القرية إلى حيث الأغنام وتسمى العملية ( مخايا لبيرك ) وتكون القطعان في جنوب الكلي حيث الربيع لازال في بدايته وبعد فترة يصبح التكرار في حلب الأغنام ( أي مرتين في اليوم ) وتسمى هذه المناسبة ( يوم الدودان ) وهي كلمة كردية أي مرتين، وسنفرد موضوعاً خاصاً من هذه الدراسة كمناسبة كانت القرية تعتز بها وتحتفل كما تعتبر من الفلكلور المحلي، وكان يستفاد من الحليب كغذاء ولإنتاج مشتقاته أيضاً وهي اللبن الرائب والزبدة والدهن والجبن، وسيكون لصناعة الجبن موضوع خاص كونه مادة غذائية أساسية لدى عوائل القرية، لذلك كانت تهتم جميعها بصنعه.

 

صناعة الجبن 

من الصناعات المهمة والتي كانت تمارسها كل العوائل، صناعة الجبن، وكما قلنا أن جميع العوائل كانت تهتم بتربية المواشي التي تنتج ما يفيض عن حاجتهم من الحليب فتلجأ العائلة إلى تحويله إلى مادة قابلة للحفظ كالدهن والجبن

وأولى وجبات الحليب تكون دسمة أي نسبة الدهون فيها عالية، وحين يسخن الحليب يصبح قوامه كثيفاً عند ذاك يسمى ( لوري ) ويكون لذيذاً دسماً لكنه يصيب المرء بسوء الهضم لمن يتناول منه كثيراً. أما الجبن العادي فهوالذي يكبس في أوانٍ فخارية دون أي مطيبات من الحشائش أوأن يكبس مع حشائش طيبة مبروشاً مع بعض القطع وهذه الحشائش تعطيه نكهة لذيذة وطريقة صنعه بسيطة على أن تكون دقيقة في تحديد كمية المقادير وفي كمية الخثرة المضافة ونظافة أوانيها، وهناك نوعان من الخثرة. الخثرة المصنعة محلياً والأخرى الكيميائية، وكانت المصنعة محلياً تفضل على الأخيرة وتخصصت نساء مشهورات بصناعتها من معدة عجل صغير لم يكمل السنة توضع مع الحليب بعد تسخينه لحد الغليان ثم يضاف إليه الثوم أو تلك الحشائش المطيبة ( كيراتو/ بييك / سيرك / كرنك ) أو ما يسمى بالعربية بالكعوب

كانت تخلط هذه الأنواع من الحشائش مع الجبن بعد تخثيره مباشرة مضافاً إليه اللبن الرائب الناشف ويكثف هذا أيضاً ثم يوضع في قربة جلدية أو إناء فخاري نظيف يطلى من الداخل باللبن الكثيف ويرصف الجبن مع طبقات الجاجيك يضغط عليه كي لا تبقى أية فجوات هوائية لأنها تسبب فساد الجبن وهكذا حتى يمتلئ الإناء، ثم توضع على فوهة الإناء أوراق عنب أو أوراق شجرة حبة الخضراء أو البطم لرائحتها الطيبة، ويقلب الإناء بعد إحكام غطائه رأساً على عقب ويوضع في حفرة ويغطى بالتراب ويرش هذا التراب بالماء ما بين وقت وآخر ليبقى رطباً ويمكن أن يحتفظ به إلى موسم الشتاء التالي وقد يباع هذا النوع بأثمان غالية في المدن لطعمه اللذيذ ونكهته

إعداد المونة 

وهذه إحدى المهمات السنوية للعائلة إذ كانت العائلة تشتري الحنطة من زاخو أو إحدى قراها ( لقلة إنتاجها في القرية ) بعد تنظيفها يتم سلقها في قدر كبير لتتحول إلى ( البرغل ) بعد السلق إذ يتم دراستها أودقها في جاون حجري للتخلص من قشرتها ومن ثم جرشها بالجاروشة الحجرية وهذه العملية أيضاً تصاحبها مناسبة وتقليد جميل تسهر خلاله الفتيات وهن ينشدن أغانٍ تراثية أو بعضهن يرددنها مع الشباب فيها شيء من الوصف والرواية، ويقوم الشباب أيضاً بعملية الدق وهم يغنون ( هيدي هيدي وهه مدو) بعد ذلك كان المرحوم مرقص داؤد قد اشترى ماكنة يدوية لجرش البرغل، ومن بعده اشترى حنا قرياقوس ماكنة أخرى وكانت منافسة بينهما.  

ومن الصناعات المحلية صناعة اللباد التي اشتهر بها ( يونان أشايا ) وكان يشترك معه بعض الشباب بعد أن يرصف الصوف المبلل على قطعة من القماش بشكل فيه من الجمال أي ترسم لوحة بالأشكال المطلوبة ثم تلف القطعة بقوة ويتم دحرجتها على السطح، والشبان بضربها حين الدحرجة بأرجلهم بقوة وهذه عملية كبس الصوف ليتحول إلى قطعة قوية من اللباد الذي ستعمل كبساط للجلوس أو كفرش للنوم للعوائل الفقيرة أو يستعمله الرعاة كمعطف واقٍ

أما صناعة النورة ( الكلس ) للبناء فهي مهمة أيضاً لأنها مادة رئيسية وملائمة للمنطقة ومناخها إذ تستعمل في البناء أو لطلي الغرف المبنية من الطين، واشتهر بإنتاجها ( بطرس بولا ) و( قتو زورو). 

 

 

فلكلور

عادات وتقاليد الزواج 

الزواج مقدس في كل مكان وزمان وعند المسيحيين هو أحد أسرار الكنيسة المباركة حيث يتم فيه الحب والألفة ونشوء عائلة جديدة في جسم المجتمع وعملية الزواج تكون دوماً مصحوبة بالاحتفالات والمسرات لأنها ربيع الحياة وخصوصاً في القرى حيث تعتبر القرية أوثق في العلاقات الاجتماعية كعائلة واحدة فيتم الاقتران بالتآلف والانسجام ليشد مجتمع القرية وتربطه روابط القرابة والنسابة، وفي قرية مثل سناط التي يغلب عليها طابع البراءة والصدق تكون الزيجات مدعاة للمسرة والأفراح للجميع وكما هو متبع في الريف العراقي يتزوج أبناء سناط ذكوراً وإناثاً في سنين مبكرة من العمر من أجل الإنجاب المبكر ليصبح الأبناء رفقاء آبائهم في العمل وهم متقاربون في العمر والقوة لأن أكثر أعمال القرية تعتمد على الجهد البدني ( العضلي ) ومن عادات أبناء سناط أن يخطب بعض الفتيان أن يشخصو شريكة حياتهم مبكراً أي قبل موعد الزواج ربما يبلغ عدد من السنين، وعلى الأكثر يشخص أهل الفتى الفتاة المطلوبة، وقد يكون عمرها عشر سنوات ويبقى الفتى خاطباً إياها لسنوات طويلة قد تصل الخمس أو السبع سنوات، ويبقى خلالها متردداً إلى دار خطيبته وعليه أن يساعدهم في جميع أعمالهم حتى في الأعمال المنزلية فهو يساعد في الحقل ويجلب الحطب ويكسره للمدافئ كما يجمع العلف لحيواناتهم، وهذا تقليد تفتخر به القرية حيث يتآلف الخطيبان، كما تروي هذه اللقاءات شوق الخطيبين وتولد عندهما الألفة والانسجام وتكون فترة التعارف طويلة وكافية ليعرف كل منهما الآخر، بالرغم من أن القرية صغيرة فهي توفر تلك الأجواء لكل أبنائها

أما المراسيم الرئيسية للزواج، تبدأ قبل الاحتفالات بأيام حيث يزور وفد من النسوة يتكون من أم الفتى مع إحدى قريباته أوجاراتها يقمن بزيارة أهل الفتاة لإعلامهم بمقدم وفد من الرجال للخطوبة الرسمية، وهكذا تتم الخطوبة ويحدد المهر، وكان قبل الخمسينيات في حدود ثلاثين إلى أربعين ديناراً وفي الخمسينيات أصبح بين خمسين إلى مئة دينار تضاف إليها أحياناً بعض الهدايا كبدلة العرس أوبندقية صيد لاخوة العروس أوبدلة رجالية لأهل العروس، وكثيراً ما تدخلت الكنيسة لتحجيم المهر وتحديده بسبب أطماع بعض أهالي الفتيات ومبالغتهم في طلباتهم

أكثر الاحتفالات تتم أيام الآحاد وتبدأ في يوم السبت السابق للاحتفال حيث تكون الاستعدادات قد تكاملت. يهيأ العريس بملابسه وزينته ويؤخذ مساء السبت إلى ( بيواري ) يزفه الأصدقاء وسط باقات من الشبان والشابات وهم يغنون ويرقصون، وفي بيواري تتم عملية الاستحمام وهي عملية رمزية. يقول جميل زيتوفي كراسه : سناط في الذاكرة ) تغنى أغنية ( هاي شوي شوي، شوي دبجينا سرشوي ) وهي أغنية كردية معناها ( مرحباً بالاغتسال هيا نذهب إلى الاغتسال ) وتستمر الأغنية بلحن راقص حيث تقف الفتيات في صف مقابل الفتيان ويتبادلان الغناء والرقص والفتيات المشتركات تسمى ( بربوي ) أي وصيفات العروس والفتيان ( براه سافاي ) أي أصدقاء العريس، بينما تقوم فتيات من أقرباء العريس اللواتي يحملن صواني من الحنطة والرز لغسلنه في بيواري أيضاً وسط أغنيات خاصة لإعداده وجبة شهية لأكله الهريسة في اليوم الثاني الذي هويوم الاحتفال. كما تحمل إحدى الفتيات كأن تكون أخت العريس أوأبنة عمه ملابسه الجديدة في صرة تسمى ( البقجة ) تحملها على رأسها والفتيات من حولها يرددن أيضاً أغنيات خاصة. وتقوم إحدى العجائز بتحميم العريس بعدها يلبس ملابسه الجديدة ويقاد إلى داره وسط الأصدقاء والفتيات وهم يغنون ويطلقون العيارات النارية . في البيت يحظى المشتركون بذلك الاحتفال بوجبة عشاء كأن تكون كبة صغيرة ( خمصتا ) وحسب إمكانية أهل الفتى قد يقدم المشروب أيضاً بعدئذٍ تذهب نخبة من الفتيات إلى بيت العروس وهن يغنين ويرقصن، تصاحبهن هلاهل النسوة من الجيران، ثم تؤخذ العروس إلى الكنيسة وهي مغطاة بغطاء مزركش ثمين يغطي رأسها ووجهها حيث يكون الفتى العريس بانتظارها وهناك يبدأ الكاهن بالصلاة الخاصة لعقد القران المقدس، ( البوراخ ) ويتلقى كل من العريس والعروس بركة الكاهن كما يتوجان بإكليل العرس وفي نهاية الصلاة تبدأ الهلاهيل والاطلاقات النارية حينما يغادر الموكب الكنيسة عائداً إلى دار العريس في مسيرة فرح، وكلما مر الموكب من أمام دار تخرج النسوة لتسهمن في إطلاق الزغاريد معبرات عن مشاركتهن بالفرح متمنيات للعروسين حياة سعيدة وزواجاً مباركاً، وبعضهن ينثرن التين والجوز على الموكب حسب القرابة التي تربط المحتفلين

في اليوم الثاني وعلى الأكثر يقع الاختيار على يوم الأحد يؤخذ العروسان إلى الكنيسة للتبرك ولحضور القداس والتناول حيث يفترض أن يكون الاثنان قد اعترفا أمام الكاهن لبدء حياتهما الزوجية أتقياء أنقياء ثم يعود الموكب إلى الدار وتبدأ في بيت العريس حلقات الرقص والأغاني حتى قبيل الظهر حيث يتم إعداد وتزيين حصانين أحدهما للعريس وآخر للعروس يؤخذان في موكب احتفالي إلى بيت العروس وفي بيت العروس تتم المفاوضات بين صبيان من بيت العروس والعريس ولا يفتحون الباب ليعطوا العروسة إلا بعد أن يأخذوا هديتهم، وتخرج العروس من بيت أبيها مودعة بدموع أمها وأغنيات الفتيات وصيفاتها من أقرباء العريس ثم توضع على الحصان بينما يركب العريس على الحصان الآخر ويعود الموكب قاطعاً طريق القرية إلى بيت العريس محاولاً إطالة الطريق مروراً بأكثر أزقة القرية، والناس تستقبل الموكب بالهلاهل وكلمات التهنئة متمنين للعروسين الخير والسعادة وفي بيت العريس تستقبل العروس في بيتها الجديد حيث يجري التقليد ( ذكرت للمرحوم مرقص وردة التقليد الذي يتبع في القوش فأيده ) وهوأن يقف أصدقاء العريس على طرفي طريقها يحمل أحدهم إناءاً فخارياً ( شربة ) تكون أم العريس قد ملأته بالملبس والجكليت والحامض حلو وقطع نقدية ذي الفلس والفلسين والعانة ( أربعة فلوس قبل ثورة تموز 1958م ) وما أن تصل عتبة الغرفة المخصصة لها والمزينة بأقواس من نباتات الدفلة والأوراق الملونة والمرسومة بزخارف وأزهار حتى يكسر الصديق تلك الجرة بينما يكون صديق آخر يحمل رغيفاً من الخبز تضربه العروس بسكين كبيرة لينكسر، وهكذا تتناثر محتويات الجرة على رأس العروس ويتزاحم الأطفال بين الأرجل ملتقطين الحلوى والنقود، وحين تدخل العروس ركنها يوضع في حضنها طفل صغير عمره ما بين الأشهر والخمس سنوات وهذا رمز يحمل الأمنيات أن ترزق العروس بطفل مثله وجرت العادة أن يكون الطفل الموضوع في حضن العروس ذكراً لرغبة أبناء ألقرية بإنجاب الذكور، وعلى العروس أن تضع في جيب الطفل مبلغاً من المال هديته وكانت آنذاك قطعة نقدية تساوي درهماً أودرهمين ( لكن الأستاذ جميل زيتو لم يذكر هذا التقليد في مخطوطته بل ينتقل إلى ) دخول العروس إلى ركنها مع صديقاتها ووصيفاتها ثم يخصص مكان بارز في ساحة بيت العريس لجلوسه ولجلوس قريبه أي مرافقه وفي قرية سناط نجد التخصص في اختيار القريب أي أن لكل عائلة أخرى يتبادلون القربى، هناك تبدأ مراسيم الاحتفال كالرقص والغناء ثم وجبة طعام بعدها يبدأ المحتفلون بتقديم الهدايا يستلمها العريس بينما يسجل آخر مقدار ما قدم وتسمى هذه الهدايا ( صبحية ) التي تسجل في دفتر خاص لأنها دين يوفى في مناسبة قادمة ( وللذكرى يوم كنت في القرية كان مقدارها الصبحية ) يساوي درهماً أودرهمين أما أن كان المهنئ متمكناً أوقريباً لعائلة العريس يقدم ربع دينار أونصفه ويبقى الاحتفال مستمراً حتى بعد غروب الشمس وتكون وجبة الطعام التي تقدم في الاحتفال ( كتلاثا )، هريسة مع رز ومرق ) ومنهم من يقدم المشروب كالخمر والعرق

في المساء يحضر القس ومعه الشماس ويؤدي صلاة خاصة تسمى ( بث كنونا ) أي إقامة ستارة تحجب الزاوية التي يقف فيها العروسان وراء الستارة، وهذا تقليد متوارث في أكثر القرى المسيحية وأصله أن العائلة في سالف الأيام كانت تملك غرفة واحدة فكان يقتطع منها ركن لاحتماء العروسين وبعد الصلاة التي تقام بمناسبة الستارة وبتبريكات القس تبدأ أيضاً أغنيات وهلاهل. بعد أسبوع يأتي وفد من أهل العروس، أما والداها أوغيرهما يصطحبان العروس إلى بيت أبيها وتسمى هذه الزيارة ( داراه بقلتا ) أي العودة الميمونة وقلتا يعني سلة فيه من الجوز واللوز والتين والزبيب، وتمكث بضعة أيام تصل إلى أسبوع أن كانت العروس من غير قرية العريس، أما أن كانت من القرية نفسها فتبقى لأيام قليلة بعدها يذهب العريس إلى أنسبائه فتقام له مائدة عامرة بالطعام والشراب لكنه يمتنع عن الأكل إلي بعد أن تقدم له هدية مناسبة ( وهذه تكون حسب إمكانية أهل العروس ) وفي الحقيقة تكون كل هذه الإجراءات متفق عليها من قبل أما الصفات المرجوة عند العروس والمناسبة لتلك الأجواء فهو الانسجام والعمل الدؤوب وأن تتمتع العروس بصحة جيدة وتساعد زوجها وأهله في أعمالهم إن كان في المنزل أوفي الحقل، وينتظر أهل العريس أن يتم الحمل في السنة الأولى، وأن تجاوز يبدأ القلق يساور أهل العريس والعروس

ومن الطريف أن في سناط القرية الصغيرة وفي ذلك المحيط الضيق نجد زواج الأرامل رائجاً وقلما تبقى أرملة دون زواج بينما قد يحرم بعض الرجال الأرامل من فرصة لقاء شريكة جديدة لحياته فيضطر أن يقصد القرى الأخرى وراء فرصته، ومن الطرائف التي تروى أن امرأة اسمها خاتون تزوجت من أربعة أشخاص وكانت كلما تدفن زوجاً ترث عنه لحافه، فالزائر لغرفتها بعد وفاة زوجها الأخير يجد أربعة لحف مرتبة حسب ترتيبها الزمني الواحد فوق الآخر وتقول مازحة وبمرح ( هذا لحاف المرحوم فلان والآخر للمرحوم فرن ) وهكذا تعدهم. ومن طبيعة أهل سناط حبهم للمزاح والمرح البريء وقلما يعتبر إساءة أو انتقاصاً من الآخر مهما كانت السن وكان العمر حيث يجمعهم حسن النية والطيبة

 

الولادة والعماذ

من المنابات السعيدة أيضاً الولادة والعماذ. كما هي في كل المجتمعات خصوصاً إن كان المولود ذكراً كما ذكرنا والذي تولد له ذكور يشعر بالفخر ويعتبر ذلك شيئاً من كمال الرجولة وأم البنين تكون سعيدة أكثر من أم البنات

بعد أيام من البهجة والفرح بالمولود الجديد يؤخذ الطفل إلى الكنيسة ليعمذ، والعماذ أحد أسرار الكنيسة المقدسة ومهم بالنسبة لكل مسيحي إذ يمنح الطفل ولأول مرة أسم يميزه عن غيره من الأشخاص، ويقترن بحياة والديه وأهله وهنا لا بد أن نشير إلى شخص له منزلته لدى العائلة وهوحامل الطفل أثناء العماذ ويسمى ( قريوا ) أي القريب وهذا ينال هدية خاصة غير هدية المحتفلين والمهنئين وأحياناً تقام ولائم عامرة بالمناسب وتوزع الحلوى والكرزات للأطفال المباركين وبعض العوائل في سناط تتبادل صفة القريوا أي كل من العائلتين تختار قريوها من الأخرى في مناسبات العماذ والزواج أيضاً كما ذكرنا سابقاً.

نكبة الحصبة

وصلت سناط كما ذكرت عام 1952م وبقيت السنة تلك وطوال عام 1953م لم تحصل حالة وفاة في القرية مما أثار دهشتي، وفي الحقيقة أن الصحة العامة لدى أبناء القرية كانت جيدة رغم بساطة المعيشة وعفوية التغذية الصحية، وأن كانت سناط أفضل القرى الكردية. فالمناخ ووفرة الفواكه والغذاء الطبيعي ساعد على تكوين البنية الجديدة بالإضافة إلى الأعمال البدنية وسط ذلك الهواء النقي، كل ذلك ساعد على مقاومة الأمراض واكتساب مناعة طبيعية لكن الأوبئة أحياناً تتغلب على تلك المزايا خاصة أن ألمت بالأطفال كما حصل عام 1954م حين انتشر مرض الحصبة بشكل وباء كاسح وكان الوقت شتاءً حيث أخذ المرض يحصد كل يوم خمسة أوستة أطفال والعوائل حيارى أمام هذا الوباء، حيال هذا الموقف المؤلم كنا ننتقل أنا وصديقي يوسف زيتو من عائلة إلى أخرى ونحن لا نملك سوى النصح والإرشاد لعزل الأطفال المصابين والاعتناء بنظافة الأصحاء وإبعادهم عن إخوانهم المرضى واتباع الطرق الممكنة لتقليل عدد الوفيات ومن المواقف المؤلمة أن أحد الملالي كان ماراً في القرية ونصح إحدى العوائل أن تعطي لطفلها المريض ثلجاً فراح الطفل ضحية المشورة السخيفة.

الوفاة مؤلمة حيثما كانت خصوصاً أن كانت في قرية مثل سناط يرتبط أبناؤها برابطة القرابة والنسابة فالمصاب يصيب الجميع ومن تقاليد القرية كما في القرى المسيحية الأخرى أن يصلي على الميت ثم يدق الناقوس دقات حزينة حتى يصل موكب الجنازة إلى المقبرة وبعد صلاة قصيرة يوارى الجثمان تحت التراب ويعود الموكب إلى دار الميت وتبقى العائلة تستقبل أبناء القرية ليومين أوثلاثة ومن تقاليدهم أن ينقل الأقرباء والجيران بعض الأطعمة إذ تبسط مائدة مشتركة لذوي الميت والزائرين المقربين والصلاة على روح الراحل في اليوم الثالث أمام النسوة وحسب شخصية المتوفى إن كان شاباً أوعزيزاً تكون مظاهر الحزن والعزاء أقوى مما لوكان شيخاً طاعناً في السن

 

تقاليد من حياة أبناء القرية

حول الرعي.. تشكل العناية بالماشية نسبة عالية من اهتمامات وأعمال أبناء القرية كافة، والعوائل تهتم بتربية الأغنام والماعز والأبقار لسهولة العناية بها ولوجود الكثير من المراعي حول القرية وبالقرب منها مما شجع أبناء القرية على الاهتمام لكن الظروف المناخية أيضاً تفعل فعلها فهي تؤثر في الأسلوب الذي يتبعه أبناء القرية في الشتاء حين يكون المناخ والظروف المناخية جنوب الكلي أفضل من شمالها لذلك تبقى القطعان في جنوب القرية يأويها الرعاة إلى ملاجئ أمينة ودافئة ( تسمى ( كومي ) وهي أكواخ تسع عدداً كبيراً من الأغنام والماعز أما أن كانت العائلة تملك عدداً قليلاً تحتفظ فيه بالآخور الملحق بالدار وفي بواكير الربيع حين تنبت الحشائش يكون جنوب الكلي السابق في هذا العطاء يكون مستقراً في ( قم قلا / قتيي / خرابا / نهيل ) ويعتبر الأهلون المباشرة بحلب الأغنام عيداً مقدساً لأنه يوم عطاء يقيمون فيه احتفالاً ويسمى ( مخايا لبيرك ) حيث يقصد المحتفلون إحدى تلك المناطق وهي (قتيي أو نهيلي أو قمقلا) ، والأيام جميلة تلونها بهجة الربيع بالأزهار والخضرة والشمس الدافئة بعد شتاء طويل وقد حضرت مثل تلك الاحتفالات وتعد العوائل أكلات شهية بعضهم ينحر الذبائح ويحتفل الشباب على طريقتهم يغنون ويرقصون ويقدمون ألعاباً مفرحة وقبل أن يودع الربيع تكون الثلوج قد ذابت وزحف الربيع وخضرته شمالاً حتى حدود تركيا، حينها تنقل الأغنام إلى شمال القرية في منطقة ( دراجي ) بمحاذاة الحدود التركية العراقية وبمناسبة انتقال الأغنام يقام احتفال آخر يسمى ( دودان ) أي مرتين ويباشر بحلب الأغنام مرتين في اليوم، وهذا أيضاً عيد لا يقل أهمية عن المناسبة الأولى ويحتفل به في ( نبوعا ) النبع. ومن أفضل الذكريات تلك الاحتفالات التي تشترك بها كل العوائل في جو من المحبة والألفة، يومها يعمل وجهاء القرية بجهود حقيقي في تصفية كل الخلافات والفرقة بين العوائل والأشخاص، ويكون احتفالا مشتركاً ينقلب إلى عرس للقرية بأكملها، حيث يتناولون في مأدبة كل ما أعد عليها من طعام دون أن يشعر أحدهم بالتفاخر أن قدم أفضل من جاره أوأن يشعر الفقير بالمذلة أن كان ما أعده أبخس مما قدمه الآخر ( وقد ذكرت في مكان آخر عن إحدى تلك المناسبات يوم أزيل الخلاف الأكبر بين العوائل المتحزبة من أجل قيام المختار الجديد بولا ). 

أيضاً من الاحتفالات التي تقيمها القرية كل سنة وبأهمية بالغة عيد مريم العذراء ( شهر د مطمريم ) الذي يصادف في 15 آب من كل سنة إذ تستعد العوائل لهذا الاحتفال وقد سبق وأن تم التحدث عن هذه المناسبة في موضوع خاص

مثل هذه المناسبات تتبع أيضاً في القرى المسيحية إذ تحتفل كل قرية بيوم خاص احتفالاً عاماً يسمى ( شهرا ) لقديس معين هوراعي القرية وشفيعها وكثيراً ما يتم تبادل الدعوات بين القرى لحضور مثل هذه الاحتفالات كما يحصل في القوش حين تحتفل بشهرا ربان هرمزدا أوفي قرية أومرا ( ديرشيش ) القريبة من سناط إذ تحتفل بشهرا مار أتقن

طرايا لأبصي ( جني العفص )

وأبص معناه العفص وطرايا معناه البحث. وتنتشر بكثرة في الشعاب والسفوح القريبة من القرية الأشجار التي تعطي العفص وهنا استعرض تقليداً اجتماعياً رائعاً من التعاون والتآلف بعيداً عن الاستغلال والأنانية. فعوائل سناط متقاربة ومتماسكة، لذلك تنمو وتنشأ مثل هذه التقاليد التي تساعد على الوفاق وتديم التآلف كما تحد من ظاهرة الانفراد بالمكاسب واستغلالها حتى في الحصول على المنتوج البري الذي لا يحدده أي ضابط بل ينجز العمل بأسلوب أقرب إلى العدل دون استثناء بعضهم، ففي يوم معين ويقع عادة في شهر آب ينادي المنادي الذي هو( كزيرايا ) من على سطح المختار وأن وجهاء القرية قرروا أن يكون موعد الغد هو موعد جني العفص وجمعه، حينها تبدأ العوائل استعداداتها بتهيئة اللوازم لليوم الثاني وفي صباح اليوم الثاني تخرج القرية مبكراً وبحركة سريعة يقصد أبناء القرية الجبل، متنقلين من شجرة إلى أخرى متسابقين في جني العفص وتستمر العملية طوال النهار حتى المساء وأحياناً إلى ساعة متأخرة، بعدها يعودون محملين بالعفص الذي يباع أما في القرية أوينقل إلى زاخو ويباع إلى تجار معروفين. فهو مادة أساسية في دباغة الجلود والأصباغ والأحبار والأدوية

 

طرايا لبطمي ( جني حبة الخضراء ) 

بنفس الروحية والأسلوب المسطر أعلاه في موضوع جني العفص يتبع أسلوب جني حبة الضراء ولهذه أيضاً أشجار برية ليست ملكاً لأحد، والمبدأ نفسه ينادي الكزيرايا بعد قرار الوجهاء والمختار على موعد جني حبة الخضراء وتبدأ العوائل استعداداتها لليوم الثاني. وهنا أذكر أن الشباب يحملون معهم ألبسة وحاجيات متميزة يعلقونها حالما يصلون الموقع على كل شجرة يصادفونها بذلك يتم حجزها، فمن يصل شجرة عليها قطعة ملابس أوحبل أوخيط ملون أوأية إشارة يعني ذلك أن الشجرة محجوزة فينتقل إلى غيرها والتقليد يقضي أن يحترم الكل هذا الأسلوب

ويستعملون كأداة للجميع ( رمدولا ) وهووعاء مصنوع من الجلد، بعد جني حبة الخضراء وجمعه يعودون إلى القرية، يفرشونه على السطح وهكذا نرى في هذا الوقت سطوح المنازل خضراء. ويصنف هذا المجموع إلى درجات منه الجيد الذي يباع بأثمان غالية ومنه الوسط الذي تستهلكه العائلة والرديء يسلق لينسلخ جلده فيصنع منه الصابون ذو الرائحة الطيبة، أما الحبوب بعد أن يؤخذ جلدها تملح وتستعمل كرزات لذيذة. وهنا أذكر تقليداً أو عادة غريبة لكنها تدل على الضبط والاحترام لتقاليد القرية في تلك المناطق الجبلية حيث تجود الطبيعة بعطاء وفير دون أن يبذل الإنسان جهده ومن تلك التقاليد الطريفة، أنه أن صادف أحدهم خلية نحل رعتها الطبيعة في جذع شجرة منخور مملوء بخلايا النحل المشبعة بالعسل ويصادف أن لا يملك معه إناء ليجني العسل الوفير من الجذع فيعمد إلى وضع إشارة كأن يكون خيطاً ملونً أو قطعة قماش أوثوباً قديماً وبذلك يكون قد امتلك الجذع بما فيه من العسل فأن مر غيره من أبناء القرية وشاهد العلامة احترم صاحبها أما أن حاول أن يخترق التقليد ويأخذ ذلك العسل يعتبر سارقاً ويدان من قبل مجلس القرية عند المختار.

كذلك حين كان الصيادون يفلحون في اقتناص صيد وفير يوزعون منه على الأهليين خصوصاً للذين ليس في مستطاعهم الصيد أو شراء اللحم من عند القصاب الذي يذبح ذبيحته يوم الأحد فقط من كل أسبوع.

خكا دمطرا : (مهرجان المطر) 

وهو تقليد من أجل سقوط المطر. حين ينحبس المطر لقترة طويلة وبسبب حاجة المنطقة الشمالية من عراقنا الحبيب إلى الأمطار نجد أبناء المنطقة يتبعون أساليب مختلفة تستنجد بالسماء وبالقوى الغيبية بأشكال مختلفة ومتشابهة، تقاليد تمارس أحياناً كاحتفالات أو صلوات أو ممارسات تمثيلية تثير البهجة والضحك وأحياناً السخرية

مثلاً في سناط تقصد النسوة حاملات جرار الماء إلى المورد الذي ينقلن منه الماء من ( قم كبي ) يرافقهن راعي البقر وهناك يجعلنه يقف وسطهن وهن حوله كحلقة يسكبن من جرارهن المملوءة بالماء عليه، مع أغنيات حتى تتشبع ملابسه بالماء الذي يسيل من كل قطعة منه، ومن ثم يأخذنه إلى القرية وسط تظاهرة من النسوة والأطفال كل يسكب شيئاً من الماء وهو يقوم بحركات مضحكة ويؤدي رقصات غريبة يتمتع بها المشاهد وفي النهاية لا أعلم أن كان المسكين يعوض عما أصابه أم يعتبره واجباً قومياً يؤديه برضى وقناعة.

تقل تقيلي

هناك موضوع خاص بلعب الأطفال وهذا يشبه اللعب وضعته في باب التراث والتقاليد لأنه موسمي ويمارس تقل تقيلي الأطفال واليافعين في الشتاء والربيع ( أواخر شباط وجزء من آذار ) حيث يجوب الأطفال أزقة القرية ويطرقون الأبواب وهم يناجون أصحاب الدار (تقل تقيلي هو لوخوكوري وكجاثا سقيلي ) وهي بالكردية وتعني كلمة كر أبناء وكجاثا بنات. فتبادر العائلة وحسب نفسيتها أو ما تملكه بإعطاء الجوز أوالتين أوبلى أو الفواكه المجففة، فيعود الأطفال يحمدون أصحاب الدار ويدعون لهم حسب عطائهم أما البعض كان يصرف الأطفال بسطل ماء يسكبه عليهم مما يجعلهم يتذمرون مطلقين عبارات السخط ومنهم من كان يتفنن في ارتداء الملابس والأقنعة ليجلب انتباه الناس أو إثارة البهجة ليبادروا بعطاء أكبر

 

دودرا

دودرا كلمة كردية من لفظتين دومعناها أثنين ودرا معناه الخارج. وهي أيضاً من تقاليد اليافعين والشباب أحياناً، يشاركهم الأطفال وهذا التقليد يستند إلى أسطورة تشبه أسطورة بابا نوئيل عند الغرب وهي أن ( در درا ) الذي يجوب القرى والبراري والجبال قبل العيد ليبشرهم بوصول عيد الميلاد وأحياناً يقدم النصح والمساعدة للمحتاجين والتسلية للحزانى وتقول أسطورة ( سناط ) كان ( دودرا ) في طريقه إلى سناط ليزورها، وصل إلى شمال القرية الحالي انكسرت ساقه فدخل مغارة تسمى باسم ( كبا دودرا ) الشباب يحيون ذكراه قبل العيد يعدون أبواقاً من قرون تيس الجبل الكبيرة وينفخون بها ويصيحون دودرا دودرا معلنين بدء احتفالهم فيقصد الشباب فتياناً وفتيات ويضحكون ويمرحون ويقومون بفصل تمثيلي أحدهم يمثل دور العريس وأخرى تمثل دور العروس وتقام المراسيم المتبعة بالقرية فيها من البهجة والمرح والكوميديا ويأكلون ما أصطحبوه معهم من فطائر وأقراص الخبز المعدة خصيصاً لتلك المناسبة أوكالتي يعدونها للعيد : كليجة ) ثم ينتشرون حول القرية معهم شموع يصيحون بأبواقهم تلك

ومن هذه التقاليد نستدل على التآلف والمحبة التي تربط أبناء القرية والتي تمتد حتى شبابها وأطفالها ومغارة دودرا تقع شمال القرية عند المخفر الجديد

أوشعنا (مهرجان السعانين)

هذا مهرجان ديني وموعده مساء السبت الذي يسبق عيد القيامة بأسبوع وهو التقليد الذي درج عليه المسيحيون في أكثر القرى والمدن، أحياءً لذكرى دخول المسيح إلى أورشليم واستقبال المدينة له حاملين سعف النخيل وأغصان الزيتون، منشدين ومرتلين المدائح بمقدمه وهناك أناشيد ومدائح معدة للمناسبة منها ما هو بالسورث ومنها ما هو بالسرياني الفصيح ومنها ما هو بالعربية، يخرج الفتية من الكنيسة بملابسهم الجميلة بيدهم كراسات التراتيل ويتجولون في أزقة القرية يتوقفون بين حين وآخر وهم مجوعتان تتناوبان الترتيل يصطحبهم الشماس أو ساعور الكنيسة حاملين أغصان الزيتون وحيثما يمرون تقدم النسوة البيض والنقود للساعور منها ما يعطى للشباب المرتلين ومنها حصة القس وحصة الشماس وبعضها يخصص للكنيسة ( بينما يحمل أحد الشمامسة صليباً في رأس عمود مزين بأقمشة ) يدخل كل بيت فيمر بالصليب على جنبات الدار مباركاً وأن كان هناك مريض يمسحه به وهذا يقبله بخشوع كما تقبله النسوة كذلك ( وفي القوش يغمر الصليب في حب الماء لتقدس أو يمر به على مخزن المونة ). 

بشالكني (الطبيخ المشترك) 

أيضاً من تقاليد الشباب وفي يوم من أيام الربيع حيث تحتفل الطبيعة بعرسها الفصلي، تغري الشباب ليقيموا المناسبات السعيدة والسفرات تحرراً من المكوث والانحباس في الدور الذي يفرضه الشتاء القاسي ببرده ومطره وثلجه، وتحتفل الشابات احتفالية بريئة يخرجن فيها بنزهة إلى إحدى ضواحي القرية وتشتركن في إعداد طعام لهن يسمونه (بشالا) ومعناه بالعربية الطبيخ واشتقت منها كلمة ( بشالكن ) ربما معناها طبيخهن ويتمتعن في حلقات من الأحاديث والرقصات والغناء وفي أكثر الأوقات تقام هذه المناسبة في ( بيواري ) أو في أحد البساتين القريبة فترى الشباب يتناقلون باهتمام وشوق وتراهم ينتشرون حول المنطقة القريبة عساهم يظفرون بلقاءات محببة إلى أنفسهم أو لقاء الحبيبات في عودتهم من مناسبتهم

ومع ذلك تعتبر تلك المناسبات ببراءة نظيفة دون أن تحصل أي مخالفات سلوكية للتقاليد أو لعادات القرية

كيبا دبرقا ( حجر الصاعقة

وهي حجرة سوداء ربما بركانية أوحقاً أفرغت فيها إحدى الصواعق حملها وشحنتها فصار اسمها حجرة البرق كما يعتقد أبناء سناط، إذ يقال أن برقاً قوياً نزل عليها وجعلها بذلك الشكل وموقعها في بساتين ( رذب ) في شرق القرية عبر النهر ( الوادي ) وهناك اعتقاد أن لهذه الصخرة قوة أوطاقة خارقة ربما اختزنتها من الصاعقة النازلة من السماء وأنها تشفي الآلام ( الظهر / المفاصل / العظام ) وتمتص آلم الروماتيزم، يقصدها من يشكوتلك الآلام ويتكئ عليها وبعضهم يشعر بالراحة ربما كان العامل النفسي أوالأيمان هوالمؤثر في شهرة الصخرة، أنها الآن تشكوالوحدة والإهمال ترى هل سيزورها من يشكوآلاماً أخرى ؟

لعب الأطفال

القرية بعيدة عن المدن التي راحت تلحق بركب الحضارة وتتشبث بمظاهرها ورغم أن أبناء القرية على اتصال دائم بأبناء المدن لأن المهاجرين من أبناء القرية يفوق عددهم ضعاف من يمسك بقريته وبقي فيها وحتى من هاجروا كانوا ينتهزون أية فرصة تلوح لهم ليزوروا قريتهم خصوصاً أيام الصيف ومن الهدايا التي يأخذونها معهم لعب الأطفال، لأبناء القرية أيضاً لعب والعاب خاصة بهم تحمل طابعهم نذكر أهمها

العاب البنات

لعب البنات غير لعب البنين وأكثرها اختصاراً وحركة لأن الفتاة ما أن تتجاوز العاشرة حتى تبدأ بتحمل مسؤوليات أكبر من عمرها كامرأة ناضجة. في السنوات الثلاث من عمرها تحظى الفتاة برعاية أمها أو أختها الكبرى فتصنع لها لعبها من قطع القماش ومزقها وتصنعه بأشكال كأن تكون عروساً أو دمية تشبه الطفلة بشعرها وقوامها أوتصنع حيوانات أو أدوات منزلية ( سطل / قدر ) وكثيراً ما تقلد الصغيرة أمها فتغني لعروسها كي تنام

حين تتجاوز الرابعة تبدأ تختلط بالأخريات القريبات من عمرها وهنا تبدأن اللعب الجماعي وهي على أنواع من اللعب منها ما يهتم بالتقليد والتمثيل كأن تمثل دور العروس أودور الأم أو العجوز كما أن هناك لعب المهارة والتي تبغي الكسب أو الخسارة وإن كان أكثرها تتعامل بالكسب والخسارة المعنوية (دون تدخل المادةوكلما كبرت الفتاة سمح لها أكثر بالابتعاد أكثر عن الدار ومخالطة صديقاتها ويكون هذا تمهيداً لمعرفة الأماكن والأملاك التي تعود للعائلة

وللصغار في القرية حرية أكبر من أطفال المدينة والقصبات لأن خروجهم وتجوالهم مضمون ومأمون فلا خوف عليهم من الخطف أو الضرب أو السرقة وأهم هذه اللعب

توكي 

لعبة الحجر والمربعات المرسومة وهي شائعة في القرى والمدن الأخرى.

لعبة الحصوات (بقوش

تلعبها اثنتان أو ثلاث باستعمال الحصو الناعم ترمي الفتاة الحصوة في الهواء وتحرك حصوة أو حصوتين أو ثلاث ثم تتلقى المرمية دون أن تسقط على الأرض

اللعب بالكرة الصغيرة

لعبة لتمثيل 

أي تقليد الكبار من تزاور وتعامل وخصومات

وحين تكبر الفتاة تصبح لها عشرتها مع غيرها من الفتيات ومجالات اللقاء كثيرة وبديعة في الطبيعة الخلابة خاصة حين تكلف بالذهاب لنقل الماء أوجلب الحشائش علفاً للحيوانات أو للحلب، حينئذ تصبح مؤهلة لتخرج مع أهلها إلى الحقول والبساتين والكروم وتتعلم الأغاني والرقصات وفي لقاء الفتيات قد تسمع الأغنيات والحكايات الجميلة.

 

العاب البنين

أما نصيب الأطفال الذكور فهو أوفر من الفتيات برغم أن المدرسة تأخذ من وقتهم ما يختصر ساعات لعبهم، مع ذلك يجد الطفل الفسح من الوقت لممارسة ألعابه في البساتين والفسح والروابي في أجواء الطبيعة الرائعة التي تشحن الإنسان بالحيوية والنشاط لذلك قلما تشاهد إنسانا بديناً. أما أهم لعبهم

لعبة التزحلق على الجليد 

وعلى طريقتهم الخاصة حيث يختارون منحدراً سهلاً تغطيه كمية سميكة من الثلوج يسكبون عليه الماء حتى يصبح صلداً ناعم الملمس ثم يحضرون حجارة مسطحة يجلسون عليها منحدرين مع المنحدر إلى أن يستقرون أسفل المنحدر ثم يعودون حاملين حجارتهم صاعدين قمة المنحدر ليعادوا اللعبة وهكذا

2 - لعبة العسكر والحرامية 

وهي معروفة حيث تلعب في الأماكن الأخرى

3 - لعبة الاختفاء 

أيضاً معروفة وأماكن الاختفاء كثيرة لكثرة الأحراش والأشجار

4 – لعبة سدرا 

وهي أن يختار الأطفال قرصا حجرياً وكرة حجرية صغيرة ويعين مكاناً محدداً للانطلاق فيضرب أحدهم الكرة بالقرص الحجري ومقياس الفوز هوالمسافة المقطوعة التي يدفع اللاعب كرته إليها

5 – كيلاثا 

تلعبها مجموعتان كل مجموعة تنصب شواخص حجرية صغيرة محددة كأن تكون ثلاثة أوأربعة وتبدأ المجموعتان بالتناوب رمي شخوص المجموعة الأخرى بالحجارة الملائمة لإسقاطها ويربح من يسقط مجموعة خصمه

6 - شقا وبل 

أيضاً يلعبها طرفان يملكان عصيا طويلة وأخرى قصيرة ومن موقع محدد يضرب اللاعب العصى القصيرة بالطويلة والمسافة التي يرميها هي المقياس للربح

7 – شويران

وهي لعبة القفز أي أن ينحني أحدهم ويأتي أصحابه ويقفزون فوقه تصاحبها أرجوزة يقولها القافز وفيها مراحل، في كل مرحلة يرتفع المنحني قليلاً ومن يفشل ويسقط يكون الخاسر (أي لا يفلح في القفز ). وحينها يأخذ موضع المنحني

8 – كيبا شخينا 

وهي أن ترمي حجارة حارة بين مجموعة الحجارة الأخرى في وقت يكون المشاركون مغمضي العينين فما أن ترمي الحجارة الساخنة حتى ينطلق المتبارون، والفائز من يعثر على الحجارة الساخنة

9 – طوطو

وهي لعبة يتبارى فيها فريقان يقفان وبينهما مسافة معينة، يفصلهما خط، فيأتي أحدهم من فريق أو يسحب واحد من فريق ب محاولاً أن يعبر به الخط الفاصل وهو يصيح طوط أي بنفس واحد متواصل فأن تنفس أوانقطع نفسه قبل أن يصل بصاحبه إلى المكان المعين يفشل، وإلا فهو رابح. وعلى كل فريق أن ينهي المجموعة المقابلة بسحبهم إليه

10 – جندل جنادل 

من لفظها نعرف أنها كردية وهي أن يحمل أحدهم صديقه، والمحمول يضرب رأس الحامل ويطلب منه أن يحزر بأي إصبع ضربه. فأن لم يحزر يعاد الضرب، أما أن حزر يتبادل الاثنان الموقف

11 – لعبة دذوا 

وهي أن يضع كل من اللاعبين بيضة والكل ينتظر، والبيضة التي تحط عليها الذبابة، هي الفائزة وصاحبها يربح البيضات الأخريات

وهناك لعب أخرى منها الكعب والدعبل وأوراق اللعب، وهذه لعب اليافعين والكبار ترقي إلى مستوى الميسر يلعبونها أيام الأعياد

الأكلات الشعبية

من الأكلات الشعبية في سناط :

1 – برم

2 – كردو

وتطبخ أيام الآحاد والأعياد وقد تكون من الدخن ( دخنا ) أومن الجريش الخشن ( السمذا ) بعد الطبخ تصب في أوانٍ كبيرة وتستحدث في حفرة تملأ بالدبس والدهن، وعند الأكل يؤخذ الدبس والدهن ويخلط مع الكردو ويؤكل

3 – البرغل 

وهو معروف يستخدم بكثرة وفي المناسبات يطبخ معه اللحم أو الدجاج أو ما يصيدونه من القبج أو التيس الجبلي وقد يطبخ مع خضار الخباز أو يؤكل معه البصل

4 – كتلاثا 

وهي كبة منها النوع الصغير وتسمى ( خموصتا ) ومنها الكبير ( كتلاتا رابي ) وتصنع كما في القوش، وخموصتا تقدم في الزواجات والمناسبات العامة ويكون المرق من القرع أو اليقطين مع الطماطة والبصل.

5 – الهريسا 

وهي من السمذ واللحم والعظام. عادة يوضع في التنور بعد عملية الخبز، ويؤخذ صباح اليوم التالي مبكراً

6 – ريشا وبب 

هي أكلة الباجة المعروفة في المدن من لحم الرأس والأقدام، وأحياناً يضاف إليها الكرشة المنظفة أو المحشوة بالرز واللحم وتسمى (كبايات). 

7 – بفر و شير

ومعناها الثلج والحليب. في موسم الدودان يكون الثلج قد انحسر عن أطراف القرية، وبقي قسم منه في أماكن بعيدة عصية كالقمم، يذهب الشبان ويجلبون منه كميات يضعونه في الحليب ويتناولونه كالدوندرمة، وهناك يخلط الثلج بالدبس في الشتاء حين يسقط الثلج يوضع شيء منه في طاسة مملوءة بالدبس ويؤكل كنوع من الحلوى أو المرطبات

النباتات التي يستغلها أبناء القرية كغذاء

1 – يرقا

وهوخضار نبات تقطف أوراقه وتفلس بالدهن أو توضع مع البرغل حين يطبخ أو يقلى مع البيض ويعطي نكهة طيبة.

2 – خرصن

نبات ذو ورقتين في كل ورقة خط أبيض يؤكل طرياً وله طعم حلو.

3 - بلازيزا 

نبات ذو بصلة تقشر وتؤكل طرية أيضاً ولها طعم لذيذ

4 – خمستوكي 

نبات بري يؤكل أوراقه طرية تطبخ مع البرغل وتعطي طعماً حامضياً.

5 – هندورا 

نبات له ساق طويلة تقشر دون الأوراق وتؤكل طرية

6 – للوسن ( في القوش يسمى علسنه )

وهو نبات بري (العوسج) ينمو حول البساتين ويحفظ عليه كسياج ليمنع دخول الأطفال أو المستطرقين أو الحيوانات، ثمرته حمراء حين تنضج تصبح داكنة مائلة إلى السواد متكونة من حبات صغيرة كالخرز، لها طعم طيب فيه سائل حسن المذاق أحمر يصبغ الشفاه والأصابع

7 – طوزرا

نبات ذات أوراق خشنة يسلق ويصفى ماؤه يستخدم كعلاج لانحباس البول

8 – قوجا بادر 

وهو نبات يستعمل للإسهال وقليل منه يؤدي إلى إسهال شديد، يقال أنه منظف للمعدة

9 – قاجك ( اللبان

يستخرج من نبات الكعوب ذو الأشواك حين يشيخ، تقطع ساقه ليتساقط نسغها بشكل قطرات تشبه الحليب تجمع على حجرة مسطحة أو إناء زجاجي وتترك لتجف قليلاً بعد يوم أويومين فتصبح صالحة للاستعمال كلبان ( علك ) ولها طعم لذيذ

 

حوادث من تاريخ القرية

هجرات القرية 

كانت سناط غير مستقرة، ارتباطاً بالوضع العام المحيط بها، كما كانت القرى الأخرى، حيث لم يكن هناك أمن مستتب ولا حكومة مركزية تسيطر على الأوضاع، لذلك كان السكان المسالمون ينتقلون من مكان إلى آخر يسكناهم أو ينشئون قرى صغيرة يحتمون بها وخصوصاً في تلك المناطق التي كان يحكمها السيف والقوة وتسلط رؤساء العشائر، بعيدين عن سلطة الدولة ومركزيتها وأحياناً متواطئين الحكام تدفعهم الاطماع والأهواء الشخصية، وأحيانً تفعل الطبيعة فعلها فتلحق بهم أضراراً تضطرهم لترك مواقعهم إلى أماكن أخرى كما ذكرنا في هجرة القرى الصغيرة قرب سناط وآثارها الباقية حتى اليوم في نهيل / خرابا / قم قلا / شورا

ولو قصدنا الحدود التركية وفي منطقة تسمى ( لارتا دبلو) أي وادي بلون لوجدنا آثار قرية قديمة لا زالت قبورها ومواقعها الحصينة المعدة للقتال والدفاع عن القرية وكذلك بقايا بعض البيوت، ربما كانت تلك القرية أجداد أبناء سناط أو القرى القريبة منها، لكنه مما يؤسف له أن الجهل كان متحكماً، فلم يترك لأولئك السلف شيئاً مدوناً ينيرنا عن أوضاعهم أو ربما كانت لهم آثار مدونة ثم اندثرت

أما الهجرات التي تمت خلال هذا القرن بالنسبة إلى قرية سناط والتي يتذكرها معمروها في أن أبناء القرية هاجروا ثلاث هجرات.

 

1 – الهجرة الأولى 

بعد مقتل الحاكم الإنكليزي واضطراب المنطقة، وقد أفردنا موضوعاً خاصاً عن ذلك، وقد عم الاضطراب وكثرت الاعتداءات على القرى المسيحية آنذاك، فهاجر أبناء سناط إلى زاخووالموصل وغيرها من المدن، ويعتقد أن تلك الهجرة حصلت بعد عام 1925 م

بينما يقول الشماس حنا صيادا في مقابلة له مع السيد جميل زيتو، أن الهجرة الأولى كانت في أثر مقتل المدعوكنا شقيق زرووالد قطوزرووالقاتل شخص من قرية ربن في منطقة كرك كنا في تركيا والقتيل المرحوم كان والد المدعو يوسف الملقب ( قاسو) ووالدته (نانو) والتي تزوجت بعد ذلك بوالد عودو البصير (المسمى عدوكورا ) وقد مر على الحادث ما يقارب المئة سنة

2 – الهجرة الثانية 

وقد حصلت بعد موت كسكو، وهذه أيضاً قصة مأساوية أخرى أصابت أبناء سناط، وعلى أثرها هاجرت القرية بسبب اعتداءات قبيلة كسكو وقتلهم لأبناء القرية الذي ذهب منهم أكثر من خمسة وثلاثين شاباً ضحية العنف والجهل

بينما يقول الشماس صيادا : حدثت الهجرة الثانية نتيجة مقتل الحاكم الإنكليزي والتي اعتبرها أعلاه مرقص وردة الهجرة الأولى. يقول الشماس صيادا : حدثت هذه الهجرة عبد مقتل الحاكم الإنكليزي ( ليجمان ) سنة 1918 م ( وكان عمري ستة أشهر ) فهو من مواليد 10 أيلول 1917 م

حصل الحادث في منطقة كاني كوزي بين قريتي كرور وقرية بيجو والقاتل كان المدعو مسطو شاهو بينما كان الحاكم يمتطي جواده أطلق النار عليه وما أن أصيب حتى ترجل عن جواده وجلس على صخرة قريبة، ويروي أحدهم أنه كان جريئاً لأنه كان يعبث بسبحة في يده إلا أن القاتل ومن معه عاجلوه بوابل من الرصاص وتوفي في الحال

وتقول الرواية أن جثة الحاكم وضعت على جواده، وسحب إلى سناط ومن ثم إلى زاخوويقال بأن الجواد ظل يلتفت بين حين وآخر نحوالجسد الميت ويعطي أصواتاً كأنها ترثي الرجل، وأكد أحد المرافقين من أهل القرية أنه شاهد الدمع في عيني الجواد

على أثر هذا الحادث هاجر أهالي سناط وسكنوا القرى المجاورة حتى قرية برزور لكنهم لم يمكثوا سوى بضعة أشهر عادوا بعدها إلى قريتهم.

بينما قرأنا قصة مقتل الحاكم الإنكليزي في الهجرة الأولى أما الهجرة الثانية التي حددها مرقص وردة بعد موت كسكووقصة هذا الحادث واردة في مكان آخر من هذا الكتاب

 

3 – الهجرة الثالثة 

يورد يوحنا كوركيس صيادا خبر هذه الهجرة على غير ما رواه مرقص وردة، إذ يقول :

حدثت الهجرة الثالثة سنة 1925 م وهاجر أبناء سناط إلى زاخوكما هاجر قسم من الأهالي إلى هرور. في هذه الهجرة يقول الراوي : كان عمري ثماني سنوات وسببها أن الإنكليز حرضوا القرى المسيحية بضرورة ترك قراهم خوفاً من بطش الأتراك ومن القرى التي هاجرت آنذاك قرية بلون / أومرا د مر سوريشو/ أشويت / بيجي / مركا / أقول / أما قرية هربول لم يهاجر سكانها وكذلك قرية مير وأشي والقرى البعيدة عن الحدود، لأن القرى التي هجرت كانت قريبة من الشريط الحدودي ويقول الراوي أن الإنكليز برروا ذلك لحماية القرى

وفي عام 1927 م ( حسب اعتقاده ) تم رسم الحدود لهذه المنطقة ويروي أن مشادة ونقاشاً حاداً حصل بين الإنكليز والأتراك حول موقع الحدود إذ أصر الإنكليز أن موقعه سنسي داخل الأراضي التركية الحالية بينما أصر مندوب الأتراك أن يرسم الحدود في منطقة سينومري ولم يتم الاتفاق لكنه بعد المفاوضات اتفق الطرفان على أن تكون منطقة ردي والتي هي قرب سناط، وبعد تبادل الأنخاب ثمل الممثل التركي ورضخ للمطلب الإنكليزي، ورسم على ما هو عليه الآن ويؤكد الشماس صيادا أن جد السيد جميل أي المرحوم عبد الأحد بطرس كان مختاراً لقرية سناط وهو الذي تعهد ببناء الدعامات التي تحدد الحدود حسب المواقع التي أشير إليها

عليه ستكون هجرة 1976 م، التي اعتبرها مرقص وردة الهجرة الثالثة سنعتبرها الهجرة الرابعة وهي الهجرة الأخيرة كما هوأدناه.

 

4 – الهجرة الأخيرة 

حين رحلت القرية في 1976 م بسبب الاعتداءات والاضطرابات التي حصلت في المنطقة ودخول الجيش التركي لمتابعة بعض المتمردين من الأكراد على الحكومة التركية، ولا زالت القرية خالية من سكانها

ويروي القس متي ربان عن هجرة سبقت هذه الهجرات أنه كان طفلاً حين عم الغلاء في المنطقة بسبب انحباس الأمطار، ويقول أن أكثر الأهالي هاجروا اختيارياً ليعملوا في زاخو والموصل وقرى مسيحية في سهل نينوى. ويذكر أن أمه قد أخذته إلى الموصل مع أخواته الثلاث وكانت تعمل طول النهار ليعيشوا وهذه الهجرة لم تكن هجرة عامة، لذلك لم أذكرها مع الهجرات الثلاث بل كانت قبلها. وهناك قصة طريفة رواها المرحوم القس متي سنوردها في مجال القصص عن سناط.

هجرة عائلة شليمون

كما يروي الشماس صيادا أن عائلة بيت شليمون قامت بهجرة عائلية منفردة، إذ تركت القرية إلى القرى الأخرى ومنها إلى الموصل وزاخو وبعض العوائل لم تعد إلى القرية يقول الراوي : كان لعائلة بي شليمون في فترة زمنية معينة سلطة ونفوذ قوي في القرية بسبب تفوق عددها في القرية، وبسبب الاضطرابات والخصومات وبعض الاعتداءات من قبل أعضاء من هذه العائلة على عوائل من سناط توحدت العوائل الأخرى ككتلة واحدة فصارت أكثر عدداً وأقوى مقاومة ضد اعتداءات وغرور بعض الأشخاص من بي شليمون وقد تطور هذا الأمر إلى الاصطدام فحصلت معركة حقيقية بين عائلة بي شليمون والكتلة المتحدة من العوائل الأخرى وكانت النتيجة أن خسر بي شليمون المعركة وأصبحوا مخذولين في القرية ولأنهم لم يتعودوا على هذه الحال من الذل، ولم يتحملوا الإهانة فتركوا القرية

ويحدد بعض الأشخاص الذين نقلوا خبر الرواية إلى أبنائهم أنها حصلت عام 1865 م، ويعتمد الراوي على دليل طريف إذ يقول ( كانت زوجة الشاب شابوفارس والد جبوزوج لوزا وأخيه فارس ومن باب التندر والمزاح مع زوجها كانت تكرر دوماً القول التالي : بشر دشورا نقيبوالي قريتو) ومعنى ذلك تشير إلى جرح كبير في رأس زوجها مداعبة أنها أحدثت ذلك الجرح في رأسه في تلك المعركة. وبعد مرور سنين اشتاقت عوائل من بيت شليمون إلى العودة إلى سناط فتوسط الكاهن، وعادت تلك العوائل وعاشوا مع العوائل الأخرى بمحبة وإخاء، ولكن معظم عوائل بيت شليمون استقرت في الموصل بعد أن توفرت لهم أسباب العيش، ودخل أبناؤهم المدارس وكانوا في غالبيتهم يزورون سناط في العطلة الصيفية.

 

 

 

 

 

 

 

من هموم القرية

قصص وحوادث مؤلمة

وقعت بعض الحوادث التي كانت تهز القرية، منها حوادث السلب والنهب مما كان يدفع الشباب للدفاع عن أموالهم ومقتنياتهم، فيذهب الكثير منهم ضحايا لذلك الاعتداء وهم شباب مسالمون تنكب بهم عوائلهم الآمنة

كانت السرقة أحياناً تأخذ طابعاً هجومياً فتستغل فئة شرسة مغرورة طيبة القرية وطبعها المسالم فتحاول شرذمة من اللصوص مهاجمة قطعان الماشية مما يدفع القرية أن تستنفر رجالها ليتصدوا بأسلحتهم لتلك الهجمات، فتحصل معارك حقيقية، بالرغم من أن القرية كانت تتحاشى مثل تلك المصادمات لعلمها أن نتائجها لن تكون في صالحها أن خسرت أوانتصرت وأن كانت غايتها فقط الدفاع عن النفس والأموال أوأحياناً لإخافة المعتدي، فإن قتل من أبناء القرية، خسرت القرية دمه وليس هناك من مطالب أما إن قتل أحد أبناء العشائر الكردية يبقى دمه ديناً طويلاً لا تكتفي العشيرة من استرجاع ما خسرته بالقتل ولا بالنهب ولا الثأر بل يصبح مبرراً لابتزاز أهل القرية ولبقائهم السيف المسلط بتلك الحجة، وكمثل لذلك حين تسبب أبناء سناط في مقتل ثلاثة من العشائر المعتدين فدفعوا ثمن ذلك غالياً من أموالهم وأبنائهم وهم

(بركومجولي) وقتل في معركة دافع فيها أبناء القرية عن أغنامهم حين حاول المقتول مع جماعته سرقة قطيع الأغنام.

(محمد شمو) قتل في معركة قرب النبع أيضاً قتله أبناء سناط دفاعاً عن الأغنام وعن أنفسهم ونتيجة المقابلة قتل الرجل

(كسكو) الذي  مات في الموقف نتيجة تسببه في مقتل الشاب يوسف، وسنخصص لهذا القصة موضوعاً خاصاً لأهميته، لأن وفاة هذا المجرم سببت في مقتل العديد من أبناء القرية حتى اضطرت إلى الهجرة

ضحايا القرية 

ما يزال أبناء سناط الذين عاشوا تلك الأيام يتذكرون تلك الحوادث المؤلمة التي قدمت القرية فيها قرابين غالية من أبنائها نذكر بعضها

1 – معركة رؤولا دخو(قم شطخانا) 

جرت مقابلة بين أبناء القرية واللصوص الذين جاءوا لنهب الأبقار بقيادة ( ميرزا علو) وهو رجل معروف بسرقاته وأعماله الإجرامية كما جاء معه من قريته آخرون معروفون لكن أبناء سناط تحدوه في مقابلة اشتركت الشرطة فيها وقتل على أثرها من الأهالي ( كاكو) والشرطي (أيشو داود) وأصيب قتو زرو في ساقه وسببت له الإصابة عوقاً بقي يعاني منه طوال حياته إذ سبب له العرج. وفي موقع آخر قتل (ياقوبن رفو) بي شليمون و(ياقوجوجا) في دشتا ماسكن كما قتل ( توما بن هرمز ) بكمايا و( ميخا بن لولو) بي شليمون و( خمو طوطيكي ) بي شليمون و( كنا ) بي كنوكل هؤلاء قرب دشتا تاخ بعد أن خاضوا بشجاعة كبيرة معارك حقيقية ولاحقوا اللصوص الغزاة وحسموا نتيجة المعركة في إعادة الأبقار المسلوبة. وقد تم ذلك في زمن المختار ( ميخا مخمور ) وكذلك في زمن (ابلحد) والد كل من متي وزيتوحيث استعيدت المواشي المسروقة من الأراضي التركية حيث لحق بها أبناء القرية الشجعان حتى أجبروا اللصوص على الهرب واستعادوا القطيع وسط هلاهل واحتفال أهل القرية رجالاً ونساء وكانت تلك المناسبات تعتبر أعياداً مشهودة تفتخر بها القرية وتتحدث عنها.

 

صدى الظلم يخلق أبطالا

بسبب الاعتداءات المتكررة على أبناء القرية المسالمين من قبل العشائر المحيطة التي لا تحفظ العهد ولا تعطي الوزن للقيم الإنسانية، لذلك تمرد على هذا الظلم وتلك الحالة رجال شجعان من أبناء سناط ورفضوا الخنوع، تتذكر القرية منهم ( فرنسوخنوكا / نونا بن زيا/ قتوببان/كاكو/ أيشوبن توما/ وقتوزرو) وآخرين من الشبان الذين اشتركوا في معارك حقيقية، إذ التجأوا إلى الجبال يمتهنون الصيد والسرقة من القرى المجاورة التي كانت تسرق سناط ومنهم من سرق قطعاناً من أغنام العشائر الكردية في تركيا رداً على أفعال مشابهة لتلك العشائر تجاه سناط أواستعادة للسرقات التي كانت تحصل. وقد برزت أعمالهم في المنطقة وصارت العشائر تنظر إليهم بأهمية وحسبان وتخشى بأسهم وتتمهل أوتفكر قبل أن تحاول الاعتداء على القرية الآمنة. ولكن ما أن دخل الإنكليز وراحوا يتدخلون في حياة القرى المسيحية لإشاعة الأمان والتسوية بين العشائر حتى أخضع أولئك الشبان ليصبحوا من المواطنين المسالمين

وقد عايشت بعضهم يوم عشت في سناط منهم قتو زرو وفرنسو خنوكا وقتوببان

مقتل الحاكم الإنكليزي 

ذكر المرحوم مرقص وردا أنه حين أصدرت السلطات العثمانية الفرمان بقتل المسيحيين في قرى جنوب تركيا وشمال العراق هرب أبناء القرى (بلون /بيجن/مركا/ مرسوريشو/ ديرشيش/سناط ) قاصدين زاخو لاجئين إلى الكنائس ورجال الدين الذين اتصلوا بدورهم بالموصل وحكامها كما اتصل قادة الكنيسة بالجهات العالمية وعرضوا تلك الحالة السيئة فقدم في حينه الإنكليز مساعدات سريعة من ملبس وطعام وأغطية. وكانت فرصة ذهبية للإنكليز كي يتدخلوا في شؤون المنطقة، محاولين تهدئة الأوضاع، فقد أرسل الحاكم الإنكليزي العسكري إلى منطقة زاخو، فقصد منطقة سناط، لكن أبناء سناط حذروه من العشائر الكردية المجاورة، وأكدوا أن زيارته لتلك المناطق محذورة تنطوي على المخاطرة والمغامرة بحياته لكنه أصر على تلك الزيارة مصطحباً معه عدداً من الحراس والخدم من بينهم شخصان يقومان بخدمته هما ( يوسف يونو) بلوايا و( ميخا مخمور ) من سناط وعبروا الحدود قاصدين بلون ومنها إلى أقرن وهناك التف حوله عدد كبير من العشائر الكردية ورحب به رؤساء العشائر وراحوا يشرحون له الأوضاع. يقال أن الحاكم العسكري الإنكليزي ذاك كان شاباً وسيماً بجسم رائع وصورة جميلة وعينين زرقاوين، وكانت تعيش في تلك القرية امرأة مستهترة معروفة بأخلاقها الفاسدة اسمها ( فاتا اسف ) انتهزت فرصة ذلك الجمع حول الحاكم وصرخت بهم ( الخزي الخزي يلبسكم احذروا يا أبناء العشيرة هذا الشاب الذي ما أرسلوه وكذلك سيرسلون غيره إلا لاغتصاب نسائكم وتحسين نسلكم فيولد لكم من غير ظهوركم أولاد بجماله ). 

هاج الشبان ورغم وجود الحراس الذين فاق عددهم الأربعين حارساً ووجود الشيوخ، تمت مهاجمة الحاكم وقتلوه وكان يقودهم رجل جسور اسمه ( حسودينو) ويعتقد مرقص وردا أن الحادث حصل ما بين 1924 – 1926 م وهرب الحراس كما اختفى رؤساء العشائر من المنطقة خائفين بينما بقي يوسف يونووميخا مخمور يحرسان الجثة حتى حل الظلام، ثم انتهزا فرصة الهدوء ليلاً، فنقلا الجثة إلى سناط ودفنت في القرية ولا زال قبره موجوداً حتى اليوم

بعد ستة أشهر من الحادث جاءت أم الحاكم المقتول وأخته تبحثان عن الجثة، ثم نقلتاها إلى وطنهما، أما الحكومة البريطانية فقد قامت ببعض التحقيقات، وفي حينه شكرت الشخصين المذكورين وخصصت لهما راتباً تقاعدياً ظلا يتسلمانه حتى وفاتهما.

الشاة التي تسببت في نكبة القرية 

يقول أيضاَ الراوي مرقص وردا وهويتحدث عن هموم سناط والظلم الذي كان يصيب أهلها بسبب غياب الأمن والاستقرار وضعف الحكومة في المنطقة، وبسبب الجهل واستحكام القوة دون أي ضوابط بين العشائر

خرج يوماً الشاب (يوسف توما) بن نانوكورو(نانوالعمياء) ونانوهذه كانت أخت توما فندو، خرج الشاب الكادح إلى عمله في بستانه، وفي مكان يدعى ( قم شطخانا ) وجد شاة سمينة تائهة. نظر حوله لم يجد شخصاً أوقطيعاً قريباً ولا راعياً، فعلم أنها متخلفة عن قطيعها، قادها إلى داره واعتنى بها وقدم لها العلف والماء لمدة أكثر من أسبوع بانتظار من يسأل عنها من العشائر الكردية المحيطة أوالعابرة وبرغم أن الشاب كان فقيراً، لم يذبح الشاة ليطعم أولاده. في تلك الأيام مر بالمنطقة بعض الرعاة بأغنامهم قاصدين المناطق الحدودية القريبة وكانوا من عشيرة (درشفناي) وطلباً للطعام والحاجات قصدوا القرية من خلال الحديث نقل إليهم بعض أبناء القرية خبر الشاة التائهة التي لا زال الشاب يوسف يحتفظ بها، أرسل الرعاة في طلب الشاب وطالبوه بالشاة مدعين أنها لهم، لكنهم لم يقدموا أي دليل يثبت ملكيتها، ولم يعطوا وصفاً لها لكنهم هددوا الشاب وأرغموه على تسليمها، فسلمها الشاب مكرهاً بدون أن يقتنع بصدق روايتهم، وأخذوا الشاة وغادروا القرية.

وبعد أيام وصل القرية أحد الأكراد المعروفين في العشائر الكردية في تركيا بوجاهته ونفوذه في عشيرته وكان يدعى (كسكو) وكانت لهذا الرجل علاقات تجارية مع زاخو كثيراً ما يمر في ذهابه إلى زاخو وعودته إلى قريته زرافك بسناط، في ذلك اليوم نقل له بعض أبناء سناط كما نقل غيرهم للرعاة رواية الشاة التائهة والشاب يوسف، وكيف أن الرعاة استولوا على الشاة، غضب الرجل وأكد أنه فقد شاة قبل أسابيع بينما كان رعاته ينقلون قطيعه إلى زاخو، وأن الشاة ملكه وطالب بإحضار يوسف، ولما حضر طالبه بالشاة، لكن الشاب أكد ما رواه أبناء القرية من أنه سلم الشاة للرعاة الذين أكرهوه على تسليمها وأنهم لا زالوا يرعون أغنامهم قرب الحدود. أحبر كسكوالشاب يوسف أن يرافق ولده حيث الرعاة ليستدل على الشاة فيستعيدها الابن. وذهب يوسف مكرهاً يرافقه أبن كسكو وحين وصل الشابان إلى حيث الرعاة روى يوسف لهم القصة أي قصة الشاة التي أخذوها عنوة وما يدعيه كسكو، غضبوا وأنكروا أنهم أخذوا أية شاة لكن يوسف اقتحم القطيع وأخرج الشاة المطلوبة فتقدم ابن كسك ووتسلم الشاة دون أن يبالي بالرعاة الذين وقفوا عاجزين عن ردعه أومنعه لأن كسكو معروف ومهيوب الجانب بل صبوا جام غضبهم على يوسف الذي دافع عن نفسه، وحين احتقرهم ابن كسكو تناول أحدهم بندقيته وأطلق على صدر يوسف وأرداه قتيلاً

عاد ابن كسكو إلى القرية وأخبر أباه وأهل القرية بما حصل، هرعت القرية إلى حيث جثة يوسف وجدوا أن الرعاة قد هربوا بقطعانهم إلى عمق الأراضي التركية، نقلت الجنازة إلى القرية ووضعت أمام الكنيسة وسط غضب أبناء القرية وحزنهم أما كسكو فأنسحب متوارياً وأبنه خجلاً مما حصل بسببه ومضغت القرية آلامها على مضض

انقطع كسكو عن زيارة القرية خجلاً منهم، وبعد مدة وجد ورجاله يعبرون المنطقة الحدودية متجهين إلى زاخو، فأنتشر الخبر بين أهالي سناط، استثيرت القرية وتنامت الاحتجاجات من هنا وهناك مطالبة بدم يوسف المغدور مما جعل القس متي ربان وتوما فندو وآخرين يقصدون زاخو ويبلغون السلطات والشرطة بواقع القضية. قامت الشرطة بتحرياتها وعثرت على كسكو وأوقفته على ذمة التحقيق، وكان الرجل شيخاً طاعناً في السن

لما اطمأن القس متي ومرافقوه على ذلك عادوا إلى القرية بانتظار نتائج التحقيق، بعد أيام وصلت رسالة من شرطة زاخو تعلمهم أن الموما إليه ( كسكو) مريض ومرضه قد لا يمهله فترة طويلة عليه يفضل أن يأتي وفد من سناط ويتنازل عن دعوتهم المقامة ضد الرجل ليخرج من التوقيف قبل أن يموت موقوفاً. لكن سناط لم تستجب لنداء الشرطة بل صرخ معظمهم إلى جهنم وبئس المصير، فهو يستحق الموت عقاباً لما سببه. مر أسبوع آخر وساءت حالة الرجل ودخل مرحلة الخطر فوصلت رسالة ثانية تصف حالة الرجل وحذرت الشرطة من أن الرجل إن مات في السجن تكون القرية مسؤولة عن دمه بالمفهوم العشائري، وأهل كسكو من تركيا غير ملزمين بأنظمة العراق وقوانينه، أما أن مات خارج التوقيف فتصبح القرية في حل من وفاته لأنها تكون قد تنازلت عن دعواها

أيضاً تجاهلت القرية الرسالة الثانية، ومات الرجل وثار أولاده محرضين العشيرة محملين سناط وأهلها تبعة النتيجة هذه، وراح أولئك القساة يصطادون أبناء القرية في المزارع والطرق والكروم يقتلون منهم أخذاً بثأر الشيخ المريض الفاني، حتى بلغ عدد الضحايا ستة وثلاثون شخصاً معظمهم من الشباب وكان هذا سبباً في هجرة الكثير من العوائل ولم يعودوا إلا بعد توسطات وترضيات حتى كف أولئك القساة عن ملاحقة أبناء القرية

وهكذا بسبب شاة واحدة كل تلك المآسي، وكان السبب الحقيقي الجهل وغياب الأمن والاستقرار. حصلت هذه الحوادث في الثلاثينيات وقد عجز الراوي مرقص وردا عن تحديد التاريخ المضبوط لتلك الحوادث.

داء الكلب والقرية 

حين سأل السيد جميل عن موضوع داء الكلب الذي أصاب أهالي القرية وأسبابه ونتائجه ؟ 

أجاب الشماس صيادا : أتذكر جيداً في السنة الدراسية 1931 –1932 م وكانت السنة الأولى وكان في المدرسة معلم واحد تحدثنا عنه، بينما كان أبناء القرية يغطون في نومهم على السطوح صيفاً سمع ضجيج وصراخ فاستيقظ الكثيرون مستفسرين عن الأمر فقيل أنهم شاهدوا على السطح المدعو بولس خلف مهرولاً هارباً. وحين سأله والدي ( كوركيس صيادا ) عن أمره قال : هناك كلب مسعور دخل أزقة القرية ورأيته ينزل من أمام دارنا المؤدي إلى دار متي أبلحد ومن ثم أمام بيت بطرس بولا، وحين تبعه بولس وأمام بطرس صادفه الكلب المسعور ( وكانت أنثى ) وعضته في فخذه لكنه رفعها وألقاها أرضاً، فعادت وهاجمته ثانية وعضته في كفه، رفعها أيضاً ورماها في بستان داود شابو وأخيه ججو، وهنا تابعها قرابة عشرة أشخاص كل يحمل عصاه فضربها العم بولا بعصا طويلة على رأسها طارحاً إياها أرضاً وتابع بقية الرجال ضرباتهم المتلاحقة والمميتة حتى ماتت.

أما المصابون الذين عضتهم الكلبة قبل بولص فهم ملكو والد نيسان ( كامش جد القس ماهر، في السويد حالياً ) كترو ابنة ميخو حنا الملقبة هوفي ومريم زوجة الشماس عودو والد أنور والتي قال الأب متي ربان بيت شعر في قصيدته الهزلية 

( جوخه مو موقديلوخ كلياثا دماروخ خامو) إلى أن يقول

(تيله خاكلوا مبي شابا تفقله بمريم بخت عودو بكو أقابا     سورية وجني بشلي دلابابا )

اتصلت شرطة سناط بشكل فوري بالسلطات الحكومية في زاخو ونقلت بالتفصيل الحادث، حينها أمرت السلطات بضرورة جلب رأس الكلبة إلى زاخو لفحصها، وبالفعل تبين أن الكلبة كانت مسعورة (مصابة بداء الكلب) لذلك أوعز إلى الشرطة أن يتم حجز المصابين وإرسالهم إلى زاخو مباشرة بعد قتل كلاب القرية. وتم تنفيذ ذلك كما دفنت بقايا الكلبة بعمق كبير في بستان بيت داوا.. 

وحين وصول المصابين إلى الموصل تشبث المدعو بولص بالعم هرمز بولص ( والد فرمان ) الذي كان يعمل لدى ابلحد مراد من وجهاء الموصل ليطلق سراحه ويعود إلى سناط مقابل قطعة أرض يهبها للعم هرمز، فتم ما أراد وعاد خفية إلى سناط وبعد وصوله بخمسة أيام علمت الشرطة فالقي القبض عليه وأعيد إلى الموصل وللمرة الثانية توسط في الموصل وعاد إلى سناط علنيا هذه المرة

أما البقية فقد ظلوا في بغداد يتلقون العلاج بحقنة طبية كل يوم لمدة أربعين يوماً وتم شفاء الثلاثة وأعيدوا إلى سناط، أما بولص فبقي حياً ستين يوماً وفي الأخير ذهب إلى منطقة ردي لتمليح الأغنام هناك ظهرت عليه وبشكل فجائي أعراض المرض، أعيد إلى البيت وحال وصوله هاج وماج وصرخ. تم لفه كأنه محاصر في أنبوب من اللباد مربوط بالحبال ممدد على الأرض

طلب طعاماً قلياً وحين أعطيت له قطعة من اللحم هجم عليها ليلتهمها قبل وصولها إلى فمه من يد أخيه ( كوكس ) مما اضطرهم إلى ربطه بقوة بعصي تمنعه من الحركة. وفي تلك الليلة فارق الحياة أما زوجته فكانت تسمى مرو تزوجت فيما بعد بالشماس روفائيل القس بطرس وكان لها من بولس ابنة هي مسكو زوجة بطرس جبو خنوكا

بعد وفاة بولس قابل المعلم هرمز الأرملة مرو وسألها ليطمئن على صحتها وطلب أجابتها بصراحة ( هل تلقيت أي قطرة دم من زوجك المتوفى لأن الدم المتسرب إلى دمك يجعلك مصابة بالداء ذاته حتى إن كان ذلك مداعبة ) فطمأنته المرأة أن ذلك لم يحصل

 

قصص مضحكة مبكية

ينتظرون دلي 

كانت سنين القحط شديدة الوطأة على الأكثرية التي كانت تلهث وراء كابوس الجوع الذي ظل يثقل كاهلهم تحت ظلم الحكم العثماني، فالباب العالي أوسع من أن يشبع من الضرائب التي تتراكم من لقم تقتطع من أفواه جائعة في أرجاء الإمبراطورية الواسعة بعد أن يقتطع الوالي حصته التي أحلها السلطان وحرمها الله. وكان التدرج في قسمة تلك السرقة لا يقف عند الوالي والآغا والوكلاء بل حتى الوكلاء الصغر والجندرمة، والشعب يئن، مرجعاً صدى العصا الغليظة والبطالة، وحش يطارد الكادحين ومنهم الفلاحون خصوصاً حين يتحبس المطر وتتكالب الآفات الزراعية التي لا تشبعها الحبوب كالحنطة والشعير بل تعري الأشجار الكبيرة، أنه الجفاف الأعظم والأسد في الأستانة ومن حوله الذئاب والثعالب والكواسر كل ينتظر حصته، لا يهمه إن جاع هذا أومرض ذاك إنما السوط يتماوج مع كل نسمة، وصوت الجندرمة يغطي كل الأصوات الجميلة والقبيحة لكنهم جميعاً مؤمنون يصومون ويصلون ويؤدون كل الفرائض ومع ذلك ظلوا محاصرين بقساوة يتكالبون في جميع الأموال من أجل أن يبقى السلطان قوياً ليبقى الدين والدولة بخير وعافية قوية تضمن العقاب للمتمردين والمتذمرين الذين يشتكون من الجوع فيعصون أمر السلطان وواليه، ماذا لو جاع البعض وماذا لو تشرد الآخرون وهم يفتشون عن اللقمة النظيفة سوداء كانت أو بيضاء، ما دامت تملأ البطن وتصون الكرامة

حطت واحدة من تلك العوائل بعد أن تركت خلفها سناط القرية الجميلة بوفرة مائها وفاكهتها وخيراتها، حطت في الموصل. والموصل واسعة يمكن أن يذوب فيها الكبير كما تذوب حبة الملح في البحر الواسع. الأم تقود صغارها الأربعة تصارع من أجل لقمة العيش لتسكت صراخ جوعه مع ذلك ظلت الأم قوية صلبة ذات إرادة متميزة من أجل أن ينشأ صغارها، وكان بكرها متي ابن العاشرة والبنات الثلاث من بعده تتدرج أعمارهن، تفصلها سنتان بين الواحدة والأخرى وصغيراتهن دلي التي لم تتجاوز الرابعة. اضطرت الأم أن تخرج كل يوم صباحاً بعد أن تقدم فطوراً متواضعاً لصغارها لتخدم في الدور الموسرة وتعود من جولتها المرهقة ببضعة قروش تشتري بها خبزاً وتمراً أو فاكهة رخيصة، كان متي يتحمل مسؤولية أكبر من عمره، فهو الحارس للصغيرات ولمصيرهن حين تتأخر أمه فلا يسمح لأية منهن أن تطل من الباب الخارجي بل يلزمهن بالاستقرار في ما سميت غرفتهم وهي الحقيقة ما كانت إلا فسحة صغيرة تحت الدرج استغلتها الأم بعد الالتماس من بقية النزلاء لتكون غرفتها، هكذا أصبح ابن العاشرة رب أسرة بائسة

وفي أحد الأيام طال انتظار الأطفال إلى ما بعد الظهر، وراحت الصغيرات تعلن عن جوعهن وهو يصبرهن بأكلات شهية ستجلبها الأم وكان ما بين وقت وآخر يطل من الباب الخارجي باتجاه الطريق المؤدي إلى دارهم عله يرى أمه، وكان أحياناً يعود كاذباً عليهن أنها قادمة وأنها انشغلت قليلاً لتشتري لهم الطعام والحلوى والخبز، حتى بدأ تذمرهن يقترن بالبكاء فإذا بأمهن المنهكة تدخل، هرعت الفتيات إليها يتعلقن بأذيالها ويشكونها الجوع والقلق ومتي واقف لا يعلم هل يبدي شكواه أم قلقه أم احتجاجه لما يتحمله بغيابها، لكنه ما أن رأى التعب يؤطر وجه الأم حتى ابتلع همومه وانتظر، بينما قالت الأم مبشرة

لقد أسرعت إليكم يا صغيراتي مسرورة لأنني عدت اليوم برزق وفير، كل يوم أعود ومعي أربعة قروش أما اليوم فها هي قطعة ذات عشرة قروش، انظروا ما أجملها

صفقت البنات مسرورات وكل واحدة تتعلق بأمها لترى القطعة التي ستشبعهم وظلت القطعة تتنقل من يد إلى أخرى والأم تعدهم بمأكل جيد وفاكهة لذيذة وحلاوة لم يذقن مثلها، والصغيرة دلي تصرخ محتجة وتطالب أمها أن تلمس القطعة أسوة بأختيها، فما كان من الأم المسرورة بفرح بناتها إلا أن أعطت القطع لدلي الصغيرة وهذه تقول

هل تشبع جوعي هذه القطعة يا أماه ؟

بل ستشبعكم جميعاً بأشياء لذيذة

قالت الصغيرة : إذن سأتذوقها يا أمي. وازدردت القطعة فابتلعتها وكان جوفها خالياً ومستعداً أن يستقبل أي شيء ليسد الجوع الصارخ والأم تصرخ بها:

ماذا فعلت يا دلي ؟ والصغيرة تشير إلى فمها وبلعومها بخوف

هجمت الصغيرات ومعهما متي على الطفلة وراحوا يفتون فمها عنوة ويفتشون عن القطعة. منعتهم الأم بحزن ورجت من الصغيرة أن تبصق لتعيد القطعة وراحت هي الأخرى تعالج بلعومها بإصبعها علها تلفظها دون جدوى. الطفلة توشك أن تختنق. أعطوها ماء كثيراً. قلبوها ممسكين برجليها والأم تمنعهم باكية لكنهم معاندون بإصرار غريب ناسين الأم وأختهم أنه الجوع حتى أصابهم اليأس وفترت حركتهم وتراخت محاولتهم وجلس متي بعيداً كما جلست كل واحدة منهن حول دلي المنهكة الخائفة، قالت لهم الأم تطمئنهم :

لا بأس يا صغار أدركنا الليل بعد قليل ستخرج دلي القطعة سليمة، هذه أمور تحصل

قال متي وجلاً : ألا تتشوه أوتفقد قيمتها يا أماه.

ابدأ يا صغيري سنأخذه إلى السوق واشتري لكم كل شيء. قالت أخرى 

كيف يا أماه ستكون وسخة وقذرة

سنغسلها يا صغيرتي أرجوأن تناموا وأنا أراقبها

رفضت الصغيرتان النوم وهكذا متي بل راحوا يلحون على الصغيرة إن كان بحاجة إلى الإفراغ وماذا تفرغ المسكينة ومعدتها فارغة

إن هذه الحادثة رواها القس متي مؤكداً أنها حصلت وحين فكرت في هذه الكتابة ارتأيت أن أضيفها لأنها تغني الكتاب وتشرح الأوضاع آنذاك

 

طرائف وأخبار

يقول السيد مرقص وردا وهومن مواليد 1909 م :

كانت تجتاح المنطقة مواسم صعبة تسبب الغلاء فينتشر الجوع في الشتاء بخاصة بعد اختفاء الفاكهة ويعتقد الراوي أن في إحدى تلك السنين التي صادفت خلال الحرب العامية الأولى فيقول : كنت صغيراً نخرج إلى البساتين والروابي ونجمع الحشائش خصوصاً الخباز ونفتش الكروم عن بقايا العنب حتى البقايا من العنب المعصور في الخريف والمتيبس والمتروك فنأكله بنهم كما يقول : إننا كنا نبتدع أساليب الصيد خاصة في موسم الثلج وقد ساعدنا الصيد على تحمل الجوع فنصيد القبج والأرانب أوالتيس لمن كان يملك بندقية قديمة

حينما لم تكن سناط تعرف زراعة الطماطة أوالبطاطا ويعتقد أن زراعتهما حصلت بعد دخول الإنكليز. أما الأخت أمينة فنقلت عن المرحومة نانووالدة متي ابلحد قصة زراعة الطماطة لأول مرة في القرية حيث عرفوا نبات الطماطة مصادفة

 

اكتشاف نبات الطماطة في القرية 

تقول المرحومة نانووالدة زيتوومتي ابلحد : بعد عودتنا إلى القرية ( وهذه بعد إحدى الهجرات ) كان ابلحد مختاراً ( ربما كان التاريخ مطلع القرن العشرين ) خرج ابلحد من الدار وبينما هوفي طريقه مر بخربة نويي ابن اسحق شاهد ثلاث شتلات لنبات غريب لم ير مثله في القرية، راح يراقب الشتلات ويرعاها حتى حملت كل شتلة ثمرتين مدورتين غريبتين أيضاً بعد فترة احمرت الثمرات وتصورهن نوعاً من الفاكهة وقطفها وجاء بها إلى الدار وعرضها على الأهل، فاستغرب الجميع منها وقدم للحاضرين ليتذوقوها لكنهم خافوا وحذروه من أكلها لكنه تذوقها ووجدها طيبة المذاق وحين قطع الثمرة إلى أنصاف وجد فيها حبات صغيرة هي بذورها فاحتفظ بها حتى جفت وزرعها في الموسم التالي بعد أن هيأ لها تراباً مسمداً وسقاها، فإذا بها نباتات متشابهة كالتي وجدها وصبر عليها حتى أثمرت ثماراً أكبر من التي وجدها واعتنى بها حتى نضجت نقلها إلى الدار وتذوق منها فاستطابها وأعطى لأهله وتذوقوها واعتبروها نوعا من الفاكهة وشاع في القرية خبر النبات الجديد لكنهم اعتبروه نباتاً دخيلاً غريباً فأسموه بالإفنرجي نسبة إلى الفرنج ولا زال أبناء سناط يسمون الطماطة ( فرنجي ) بعدها زارهم أبناء العشائر الكردية الساكنة في تركيا وحملوا معهم ثمرة الطماطة وأخبروهم كيف تستعمل في الطبخ واشتهرت القرية بزراعة الطماطة ولا زالت

 

استعمال الشاي لأول مرة 

يقول القس متي في إحدى طرائفه عن أول مرة استعمل الشاي

كنت تلميذاً استعد لقبول الدرجة الكهنوتية، وزارنا المطران اسطيفان كجووكان قساً في حينه وبصحبته كان فرنسي (باتري) وسلمني كيسين في أحدهما مسحوق أسود وفي الآخر مسحوق أبيض وقال عنهما أنهما السكر والشاي. وطلب مني أن أعد بعضه وأقدمه لهما. قلت معتذراً وحائراً:

لم يسبق لي أن أعددت مثل هذا الطعام يا أبتي، لو تدلني ؟ قال باختصار :

لا يحتاج الأمر إلى أية مهارة، تغلي الماء ثم تضع فيه الشاي ليغلي قليلاً ثم تصبه في الأواني النظيفة وتضع فوقه السكر وتقدمه

يقول ( الشماس ) القس متي: كنت منتبهاً لكل كلمة كي لا أخطأ خاصة وأن الضيف عزيز، فما كان مني إلا أن ملأت القدر بالماء حتى راح الماء يغلي ثم سكبت كيس الشاي بأكمله وبعد عشر دقائق وجدت أن القدر قد امتلأ بالشاي المطبوخ فسكبت الماء الأحمر ( الشاي ) على الأرض وجئت بأطباق نظيفة وعبأت الشاي المطبوخ ( بثل ) في الأطباق ونثرت فوقه السكر ووضعت الأطباق مملوءة بالشاي المطبوخ دون سائله وقدمتها للضيف ولسيادة الأب المطران اسطيفان وما أن شاهد الأب الفرنسي الأطباق المملوءة بالشاي دون سائله وفوقه السكر حتى استلقى على ظهره ضاحكاً وهكذا الأب اسطيفان كجو وسط استغرابي ؟ 

قال لي الأب اسطيفان: وأين الماء (يقصد به الشاي)؟ 

قلت له: لقد تخلصت منه فسكبته في المغسلة

قال ضاحكاً أن الذي سكبته هو المطلوب يا شماس متي، أما هذا فيرمى في الزبالة

وكانت تلك أول وجبة شاي أعددتها

 

زيارة الملك غازي إلى سناط

كثيراً ما يتحدث أيناء سناط عن زيارة الملك غازي إلى سناط باعتزاز، خصوصاً وأن الملك حين مر بالقرى الأخرى لم يمكث فيها بينما بقي في سناط عدة أيام

لم أجد في وثائق ( مركز الوثائق ) أية وثيقة تثبت زيارة الملك إلى سناط بل هناك وثيقة تشير إلى زيارة الملك إلى زاخو مرتين ( وثائق زيارات الملك غازي ) أحدهما في 26/3/1931 م وجاءت بالشكل الآتي : ( لقد زار سموه قصبة زاخو وضواحيها ومكث فيها عدة أيام ثم عاد إلى الموصل ) ولم يرد اسم سناط أواسم أية قرية أخرى

كانت الزيارة الثانية بعد سنوات أي حين أصبح ملكاً في صيف 1938 م لكن لم ترد تفاصيلها أو اسم سناط في الزيارات غير أن الأهالي جميعهم يؤكدون الزيارة وتفاصيلها منها : ( لقد استعدت القرية لاستقباله استعداداً يفوق إمكانات القرية الصغيرة النائية حيث اشترك أبناء القرية في تلك الاستعدادات جهداً ومادة في تزيين القرية حتى الأطفال منهم كلفوا لجمع أغصان الدفلة وفروع الدوالي وهي حاملة العنب بعناقيده يتدلى منها وصنع له ممراً من أقواس وأطواق متواصلة من مدخل القرية الجنوبي ورصف ومهد بحجارة كما لو كان مبلطاً لأن ممرات القرية تعترضها صخور ومطبات، وهكذا غطي الممر بعريشة جميلة تظللها أغصان الدفلة والدوالي تدلى منها عناقيد العنب حتى الموضع الذي أعد راحته. يقال أن تصميم هذا القوس أعده المرحوم متي ابلحد وساعده شباب القرية مما أثار إعجاب الزائرين، وينقل أبناء سناط أن الملك دخل بيواري، ويذكر جميل زيتوفي كتابه ( سناط في الذاكرة ) : أن الملك أعجب بالموقع وقرر دخوله وحينئذ رفض أبناء القرية أن يدخل بيواري ماشياً أو ينزع حذاءه، عليه حمل على الأكتاف وما أن خرج حتى أوعز لرئس ديوانه الملكي الذي كان يرافقه أن يسجل عنده مسألة جعل سناط مصيفاً، لكن الحلم لم يتحقق إذ مات الملك الشاب في حادث بعد أشهر من تلك الزيارة

لا بد من الإشارة إلى أن الملك قبل أن يدخل بموكبه الكلي ارتاح في مكان محاذ للطريق حيث توجد صخرة كبيرة لا زالت تسمى باسمه (كيبا د غازي) أي صخرة غازي

هناك رواية أخرى تقول أن تلك الصخرة كانت تسمى باسم غازي قبل زيارة الملك وأن لتلك التسمية قصة أخرى نقلها السيد فيلب قرياقوس. قيل أن بعض الجندرمة في زمن الحكم العثماني قدموا إلى القرية من زاخوإلى سناط للبحث عن الهاربين من الجيش العثماني وحين علم بعض شباب القرية بالأمر، خططوا لإيقاف زحفهم نحوالقرية فاعتصموا في السفحين على طرفي الوادي حيث الصخرة المذكورة، وما أن وصلت تلك الوحدة العسكرية حتى بدأ الشباب بمناداتهم مهددين، وهم ينادون بعضهم بأسماء كردية معروفة بشقاوتهم كقطاع الطرق أولاً لإدخال الرعب في قلوب الجندرمة وثانياً لينفوا التهمة عن أبناء القرية وأمطروهم بوابل من الرصاص من بنادقهم القديمة يهددونهم ليسلموا أنفسهم لأنهم وقعوا في كمين محكم وبالفعل حصل تبادل إطلاق النار وجرح أحد الجندرمة فانسحبت الوحدة تاركة جريحها في ساحة القتال متكئاً على الصخرة المذكورة، ولما سئل عن اسمه قال أن اسمه غازي ومنذ ذلك الحين سميت الصخرة باسمه، لكن مؤيدي هذه الرواية قليلون

يروي السيد فيليب من طرائف الزيارة هذه أيضاً وقد أيدت الأخت أمينة الرواية : ( قررت القرية أن تقيم وليمة فخمة للملك ومرافقيه ومن مستلزمات الوليمة التي اشتروها من زاخو الرز وكان الرز عزيزاً في تلك الأيام ولا يستعمله إلا القلة من أبناء القرية وفي مناسبات كأن يكون عيداً أووليمة ( يبدوأن القرية حتى ذلك الحين لم تكن تهتم بزراعة الرز ) وكان المقدار (فتراً) والفتر يساوي من 14 – 15 كيلوغرام. وأشرفت السيدتان شوشي زوجة زيتوالذي كان بارزاً بين شرطة أبناء سناط ونانو والدة قتو زرو الذي كان في حينه مختاراً للقرية حيث كانت السيدتان مشرفتين على الطبخ ويقال أن الرز المطبوخ جاء مالحاً جداً ووقع المشرفون على إعداد مائدة الملك في ورطة كبيرة وإحراج، لعدم تمكنهم من الاستعاضة عن الرز المطبوخ بكمية أخرى، ولا يوجد منه في القرية، وزاخو بعيدة تحتاج يومين للذهاب والعودة وراحوا يلقون اللوم على السيدتين والسيدتان تلقيان اللوم كل واحدة على الأخرى حتى تقدم المرحوم ( قرياقوس منصور من بي كرا ) واقترح عليهم أن يؤتى بكمية من البصل يقشر وتشطر كل بصلة إلى نصفين توضع القطع على الرز وتغطى وأكد الرجل أنه تعلم هذا من الإنكليز حين كان يعمل في جيش اللوي في الحبانية وبالفعل أنقذ أبناء القرية من ورطتهم وأصبح الرز ملائماً ومعتدلاً بمذاقه بالنسبة للملح

من طرائف التسميات 

أبناء سناط معروفون بروحهم المرحة وبطرائفهم التي يطلقونها على سجيتهم ومنها ما تطلق كأسماء على الأماكن المعينة حتى أصبحت أسماء علم لها

هناك قرب قرية الملا (مكان يسمى أورطيثا د مام سيف دين س) بينما كان رجل اسمه مام سيف دين يمر في تلك المنطقة جنوب القرية صدر عنه صوت إفراغ فيه الهواء / بالسورث تسمى الكلمة (أورطيثة ) فسميت المنطقة ب (اورطيثا دمام سيف الدين) ومن الطبيعي أن يوصف أحدهم فيقول وصلت القافلة عند اورطيثا دمام سيف الدين أوحين وصلت أورطيثا د مامالخ جنوب دشتا ماسكن) فجوة بشكل حوض بين مرتفعين لكنه منتظم، وقف أحد أبناء بلون عنده فوجده كأنه صندوق منتظم ولجوعهم النفسي بسبب الفاقة والحاجة المستمرة قال : ليت الفترا ( الفترا مكيال لقياس الحبوب يستعمل للبيع والشراء ) بهذا الحجم، وراحت الكلمة اسماً أطلق على ذلك الوادي وأسموه ( فترا دبلواي ) والموقع هو قرب دشتا ماسكن.

لاورتا دبوطا 

هناك وادي في جنوب القرية كان المطلوب أن يعبر الجدول النازل من سناط ذلك الوادي من جانب إلى آخر دون أن يتبدد الماء في قعر الوادي فقام أبناء القرية بصنع أنبوب خشبي كبير محفور في جذع شجرة عظيمة وأنبوب الخشب عند السناطيين يسمى ( بوطا ) وهكذا أسميت الساقية ب ( لأورتا دبوطا ) أي وادي بوطا

انهيار الجبل (ليتا دكو)

من الحوادث المهمة انهيار منطقة لتا دكو ( السفح الغربي العظيم لوادي قرية سناط )، حيث غير الانهيار معالم كلي سناط. في عام 1954 م وفي فصل الربيع موسم ذوبان الثلج حصل انهيار جبلي عظيم حيث بث الرعب في قلوب أبناء سناط، لعدم استطاعتهم تعليل ما حصل في حينه ولرهبته وقوته، ففي جنوب القرية وقرب مدخل الكلي العميق يقع سفحان منحدران عظيمان ينتهيان بصخرتين عبارة عن مقطع صخري طولي وكأنه حائط. أحد هذين السفحين يسمى لتا دكو، استيقظ أبناء سناط في أحد الصباحات على أصوات ارتطام قوي وحين مر بعضهم وجد الصخور تتساقط في الوادي لتسد الطريق الضيق المؤدي إلى القرية أي من مدخل الكلي حتى مسافة أكثر من نصف كيلومتر شمالا في الكلي، وقسم إلى جنوبه وكانت أصوات ارتطام الصخور الكبيرة الساقطة تصل القرية وتثير رعب السكان

هرع بعضهم وأخبر الأهالي فأسرعنا إلى حيث الموقع ( وكنت أنا من بينهم ) ونحن نراقب من السفح المقابل فوجدنا الصخور العظيمة التي تزن أطناناً تتحرك من مواقعها هابطة السفح المنحدر حتى حافة الوادي العميق ثم تسقط في الهاوية محدثة دوياً مرعباً أذهل الموقف أبناء القرية واعتراهم خوف شديد وبعضهم وصف الأمر أنها كارثة تحل وعلل بعضهم أنه غضب السماء سيمتد نحو القرية المسكينة ومنهم من راح يصلي ويدعو ربه

حين وصلنا إلى موقع ومن السفح المقابل راقبنا ما يجري كانت الأرض تتشقق ثم تزحف طبقات عظيمة من الأتربة وما عليها من صخور وأشجار حتى تصل حافة الوادي فتهوى وكأنها شلال من الأتربة والصخور والأشجار العظيمة، أحياناً كانت الصخور تتدحرج فتصادف أشجار البلوط وحبة الخضراء المعمرة فتقطعها وكأنها تحز براعم صغيرة. ونتيجة لتكوم وتراكم الأتربة والصخور في قعر الوادي انسد مجرى الماء فارتفع المنسوب في الكلي ليكون بحيرة جميلة بعمق متباين من جنوب الكلي صعوداً إلى شمالها وبمسافة أكثر من نصف كيل متر مما تسبب في اختفاء معالم كثيرة تحت الماء منها الطريق القديم والطاحونتان وشلالات جميلة وبعض المزارع حتى أعمدة الهاتف. بعدها وفي اليوم نفسه استطعنا تعليل الأمر وهو أن السفح عبارة عن منحدر صخري حين ذابت الثلوج المتراكمة تسرب الماء إلى الصخرة تحت طبقة التراب والذي تسبب في انفصال الطبقة الترابية عن الصخر، وبسبب ثقل الطبقة الترابية وما عليها من حجارة وصخور وأشجار انحدرت كميات التراب وما عليها لتسقط في الوادي. اقتنع أبناء سناط بتعليلنا وأرسلنا برقية بواسطة شرطة سناط إلى المسؤولين في زاخو نعلمهم بما يحصل ولما اطمأن أبناء سناط إلى ما يحصل كظاهرة طبيعية غادرهم القلق وراحوا يزورون الموقع من أجل التسلية والفرجة، واستمرت الانهيارات ليومين تقريباً ثم توقفت بعد أن أغلقت الطريق والكلي بوجه أبناء القرية مما اضطرهم أن يسلكوا الطريق الشرقي المؤدي إلى أومرا ثم إلى زاخو وكان الطريق أطول بكثير من الأول وبجهود وجهاء القرية وتعاون الناحية (شرانش) خصص مبلغ ضئيل يعتقد أنه بلغ ألف دينار لشق طريقاً جديداً محاذياً للبحيرة الجديدة. ويدعي اكثر أبناء القرية أن ما وصل جزء ضئيل لم يتجاوز عدة مئات من الدنانير إذ كان العامل يعمل طوال النهار باجرة لا تتجاوز الخمسين فلساً (درهم واحد) لقد راودتنا أحلام جميلة في حينه، أي أن تصبح تلك الحادثة سبباً يجعل الموقع منطقة سياحية باستغلال تلك البحيرة لتقسم إلى مسابح طبيعية وأحواض اسماك خاصة وأن المياه تتغير دوماً تلقائياً لأن مجرى نهر سناط يمر من خلال البحيرة ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يحققه

زيارة المهندسين الأجانب 

لهذه الزيارة أهمية كبيرة بالنسبة إلى المنطقة، وبنينا عليها الآمال لكن الظروف العامة خذلتنا

وصلت زاخو خريف 1953 م وأنا عائد من قريتي القوش لأبدأ سنة دراسية جديدة في سناط، وكان من عادتي أن أبكر في العودة إلى سناط لأتمتع بصيف سناط الجميل، وكعادتي كنت أتصل بالقرية هاتفياً من زاخو لأستطلع أخبار القرية وأعرف عن تحرك القافلة وما يحتاجه الأصدقاء في القرية والقافلة مهمة إذ كنت أضمن رفقة مريحة مع أبناء القرية في ذلك الطريق الشاق الطويل

أخبرني المتكلم أن في سناط مهندسين إنكليز لا أحد يجيد التحدث معهم وهم مرسلون من قبل الدولة لإجراء بعض التنقيبات المهمة. كانوا ثلاثة مهندسين أحدهم من إنكلترا واثنان من جنوب أفريقيا كانوا يحملون تصاريح رسمية من بغداد والموصل وزاخو ومعهم أوامر إلى الشرطة لتبدي لهم التسهيلات والمساعدة والأمان، كما كانوا يحملون خرائط بالعربية والإنكليزية مفصلة عن المنطقة وما جاورها وبأسماء دقيقة ( أسماء محلية باللغة السريانية ) فكان يقول تلك رشا ايسرتا وذلك طريق دير شيشالخ. كانوا يعبرون عن أهمية العمل الذي ينجزونه ليس بالنسبة إليهم فقط وإنما بالنسبة إلى المنطقة أيضاً كانوا يخرجون بعد الظهر في الرابعة مساءً ومعهم عددهم الخاصة وأسلحتهم أيضاً ومشاعل كهربائية يدوية (ببطاريات جافة) وأجهزة خاصة علمية وما أن يبتعدوا قليلاً حتى يختاروا رابية معينة للشرطيين اللذين يرافقانهما ويأمرونهما أن يمكثا في الموقع ويحذرونهما من اللحاق بهم لأنهم قد يرمونهما ثم ينتشرون في تلك الشعاب والوديان والسفوح والشرطة تراقبهم وهم يتوقفون ما بين حين وآخر ليجمعوا بعض الحجارة ويحفروا الأرض ليلتقطوا عينات يحتفظون بها في أكياس خاصة معدة لذلك، وقد يطول بحثهم وجمعهم إلى ساعات متأخرة فيعودون ليلاً إلى حيث نزلوا

في أحد الأيام عادوا إلى القرية وكانوا ضيوف المختار وأخرجوا لنا ما جمعوه خلال الأيام الماضية وكانت عينات معبأة في أكثر من أربعين كيساً منها الصغير ومنها الكبير ومن جملة العينات التي توقفوا عندها لأهميتها :

1 – قطعة حجارة صغيرة لكنها تزن كثيراً، وحين يأخذها المرء لا يقدر وزنها الحقيقي وهي بذلك الحجم فيفاجأ. وقالوا عنها أنها معدن الرصاص

2 – حجارة حمراء بعروق سوداء قالوا أنها مهمة بالنسبة إليهم

3 – حجارة قالوا أنها تصلح لتكون مسناة للأدوات الحادة كالسكاكين والشفرات، وقال أحدهم لوكانت هذه في إنكلترا لقمنا بتهذيبها وحفظها في علب أنيقة نصدرها إلى بلادكم بأثمان غالية، وبالفعل أخذت منها إلى القوش واستعملت لحد المناجل والشفرات وهي صخور متوفرة بكثرة في تلك المنطقة والقسم الكبير منها يصلح أن يكون حجراً للطاحونة

4 – هناك قطعة مهمة من عيناتهم كانوا يحتفظون بها بعناية، وضعها أحدهم وسط القاعة وطلب أن تطفأ الأنوار وأوصلوها بأسلاك متصلة بجهاز كان معهم، وما أن لامستها المجسات حتى توهجت الصخرة بضياء أزرق مائل إلى الاخضرار وكان الضياء ينفرش على وجوه الحاضرين لتظهر بأشكال غريبة كأنها الأشباح

قال أحدهم هذه مادة مهمة وقيمة وقال آخر بلكنة عربية بسيطة ( هذا مهم أنتم يصير زنكين جثير ). 

يقول أبناء سناط أن المهندسين عادوا إلى المنطقة عام 1961 م وحفروا في منطقة هرجكيني واستخدموا معهم من شباب القرية وحصلوا على بعض العينات وأيضاً من منطقة أومرا ولكن الحوادث التي حصلت بعد ذلك وعدم الاستقرار أدى إلى توقف العمل ومتابعته

من المفيد أن أذكر أن في منطقة بهنونة، التي تبعد خمسة عشر كيل متراً عن جنوب غربي سناط، مياه معدنية كبريتية. هناك عيون وأحواض هيأها أبناء المنطقة للسباحة وقد صادفنا ونحن في طريقنا إلى القرية ينبوع مياهه بيضاء برائحة كريهة تصب في الهيزل الذي يفصل الحدود العراقية التركية، يجعل مياه النهر بيضاء وما أن سرنا قليلاً نحوقرية بهنونة حتى صادفنا حائطاً مرتفعاً علوه عشرة أمتار، صخري فيه ثقوب سوداء يخرج منها القير بصورة مستمرة وكأنها ثغور تبصق، وإلى موضع غير بعيد أحواض صغيرة فيها مياه دافئة وحارة، يستحم بها من يشكومن ألم الروماتيزم أوالأمراض الجلدية

 

أمسيات سناط

كان يقضي أبناء سناط أمسياتهم بأشكال مختلفة، ولكن كيف ؟ 

من المعتاد أن يأوى أكثر أبناء سناط إلى الفراش للنوم المبكر، وذلك بسبب عدم وجود الكهرباء ووسائل الترفيه والتسلية كالراديووالتلفزيون ( آنذاك ) ولأنهم كادحون يستيقظون مبكراً. أما الأمسيات قبل النوم وهي الساعات التي تتراوح ما بين السادسة والثامنة فكانت تختلف بالنسبة إلى الأشخاص والعوائل

الأطفال يصغون إلى حكايات الكبار والعجائز ويستمتعون بها. أمسيات السمر عند المختار أوعند بعض الوجهاء وحسب قيمة الزائر والمزار، فقد يقدم الشاي أوالقهوة أوالمشروب ولكن في أكثر الأحيان الشاي هو المفضل، أوهناك أشخاص معروفون بقابلياتهم على التحدث أورواة الأخبار والحكايات يقبل إليها المستمعون، وأن كان الزائر عزيزاً يقدم له الجوز والتين، وأحيانا يولم فيقدم له الشراب أوالعرق وعند القس كان يجتمع أبناء القرية يصغون إلى قصص القديسين والأنبياء أو إلى قصص من الكتاب المقدس. أوأحياناً تكون هناك جلسات الشرع والتحكيم بين أطراف متنازعة أو أخبار العشائر المجاورة وأخبار القوافل وما حصل من الحوادث، وفي كثير من الأحيان تتم الصفقات التجارية البسيطة بالمقايضة مع عشائر الكويان القادمين من تركيا الذي يجلبون حبة الخضراء والبطم والبندق والبطاطة والبصل ويشترون السكر والشاي والصابون والنفط. يتم أحياناً ذلك بعيداً عن أعين الشرطة وإلا فللشرطة ضريبة خاصة متفق عليها

الطب الشعبي 

من الطبيعي أن يستخدم أبناء سناط الطب الشعبي بسبب عدم وجود المركز الصحي في القرية إلا مؤخراً أي بعد ثورة تموز. وكذلك لبعد المنطقة عن المراكز الصحية الأخرى في شرانش وزاخو. كان مدير المدرسة يتسلم شحنات من الأدوية البسيطة والعلاجات الخفيفة كالمراهم وحبوب الصداع والإسهال أو المعقمات أو قطرات العيون والضمادات للإسعافات الأولية، وفي القرية بعض الرجال والنسوة يمارسون الطب الشعبي يستخدمون الأعشاب البرية أو بعض العقاقير من العطار وهؤلاء كانوا يتوارثون هذه المعلومات عن أهلهم واشتهر منصور كمورا بقلع الأسنان وكان يستخدم كلاباً صدئا شاهدته مرة وهو ممسك بكلابه بقوة والكلاب متشبث بضرس الرجل الذي يتلوى بتوسل ويستغيث ومنصور منهمك، فناشدته أن يترك الرجل لأني قرأت الألم في كل صرخة أو حركة، لكن منصور لم يعر توسلاتي أهمية بل واصل شده حتى ظفر بالضرس الراسخ قلعه وقلع معه كتلة من لثته. فأخذ حفنة من الملح ووضعها في الموضع فوقها قطعة قماش ادعى منصور أنها نظيفة وقال للرجل الذي كاد يغمى عليه لولا تشبثه بشجاعته ورجولته فهو من العشائر الكردية

فاتني أن أذكر أن منصور كمورا كان فراشاً للمدرسة إبان وجودي هناك، وكان الرجل وزوجته وأولاده وأخوه بولص نعم الأخوة والأهل لأني كنت قد سكنت دارهم

شهيدتا العفة والشرف 

هذه حادثة مشهورة يتناقلها أبناء سناط وتفخر بها القرية، لأنها دلت على التضحية بالنفس من أجل الشرف والعفة. خرجت الشابتان جوان وناز زوجتا الشابين الأخوين متي شمو ومرقس شمو مبكراً إلى بستان العائلة لتعاونا الرجال في العمل في البستان، ومن ثم تجمعان الحطب وتعودان إلى الدار كما تفعل أكثر النسوة في القرية، وكانت الفتاتان جميلتين في ريعان الشباب إحداهما أنجبت طفلة والأخرى لم يمض على زواجها زمن طويل. في الطريق من (دارجي) وعند منطقة تسمى كوزون خرج إليهما مغتصبان من الوحوش الآدمية. كانا شرطيين يعيشان في مخفر القرية الذي كان حينها خارج القرية في منطقة شورا شمالي القرية، وكان العسكريان ضمن الألف عسكري جلبوا إلى الحدود احتياطاً لحوادث كان يخشى وقوعها بين العراق وتركيا

وأمام جمالهما نسيا الأخلاق والشرف ولم يصغيا إلى توسلات الفتاتين بل دفعتهما غريزتهما البهيمية لمراودتهما، لكنهما أبتا وصدتاهما مدافعتين عن شرفهما. ولم يجد تهديد الوحشين بل قاومتا بضراوة، واستمرت مقاومتهما وصراعهما حيث أسلمتا الروح ونالتا الشهادة من أجل عفتهما وشرفهما. بكتهما القرية وانطبعت قصتهما في قلوب أبناء وبنات سناط، تناقلتها الأجيال لتصير مثالاً للعفة والإباء يحتذي به

نتيجة هذه الحادثة المؤلمة كادت تطمس لولا جهود المعاون لازار ومأمور المركز شمعون بوتاني اللذين كانا في زاخو

وقد كتبت مسرحية قصيرة معبرة بأمل أن أجد التعاون من أخوتي أبناء سناط لإنتاجها، على أن يكون ممثلوها من شباب سناط لتطابق لهجتهم للهجة الشهيدتين والشخوص الآخرين الذين عاشوا في أيام تلك الحادثة.