سناط في الذاكرة
تأليف الأستاذ جميل زيتو عبد الأحد - اربيل - العراق
وصلتني قبل فترة وجيزة، من الأستاذ جميل زيتو، هديته المتواضعة، نسخة من كتابه، «سناط في الذاكرة» ولماّ كنت قد أطلعت مسبقاً على مسودته التي وضعها بين يديّ الأخ العزيز منصور قرياقوس صاحب دار فينوس للطباعة والنشر في سان دياكو، وساهمت في تصويبها نحوياً، وحبك بعض فصولها أسلوبياً ايضاً، فهي لم تكن غريبة عني، لأنني كنت قد أبحرت في يمّها طويلاً، وتجولت بين شعابها كثيراُ، ومضغت مادتها في فمي، ولا تزال حلاوتها تجري في عروقي تتفاعل مع أفكاري، .. الكتاب دراسة بلدانية ميدانية قيمة جداً، نهض بها الأخ المؤلف عن بلدته الحلوة الجميلة «سناط» تاج الجبال الكردستانية، ودرّة قرانا الكلدانية، وقد عرف وهو الذي شاهد النور في ربوعها وترعرع بين بساتينها المثمرة الخضراء، وغرف بكفيه من مياهها النقية العذبة ... عرف كيف يوصفها وصفاً دقيقاً رائعاً، وكيف يرشد الراغب فيها سلك طرقها الجبلية الوعرة التي تقوده اليها من زاخو عبر شرانش ممتطياً ظهور البغال التي تدق الأرض بحوافرها بين تلك الشعاب الضيقة حتى تدركها بعد صبر ومعاناة شديدين،.. والكاتب يعود بالقارئ الكريم الى تاريخ القرية الموغل في القدم، ويحكي معاناة أهلها الفلاحين الطيبين من قسوة الطبيعة شتاءً ، ومن شراسة اللصوص وقطاع الطرق الذين كانوا يغورون عليها فيسلبون ويقتلون وينهبون وما من سائل عنهم، كما يتحدث عن بسالة رجالها في الذود عنها والأبقاء عليها صامدة صلدة رغم المحن، ولم ينس المؤلف أن يسرد الكثير عن العادات والتقاليد المتوارثة والممارسات الأجتماعية الأخرى من أحزان وأفراح، كانت القرية تقف مع بعضها البعض بمحبة وتواضع، متعاونة متآخية، تشيد داراً لهذا، وتقطف ثمار كرم لذاك، وتعصر خمراً لتلك، وتحدث المؤلف عن دور الكنيسة ورجال الدين في تقريب وجهات النظر، وحلّ المشاكل التي كانت تعترض مسيرة العمل اليومي فيها، من سقي للبساتين الى جني للثمار، وحلب الأغنام ورعي الأبقار، وسناط من القرى القلائل التي حظيت بفتح مدرسة ابتدائية فيها منذ عشرينات القرن العشرين، أسهب المؤلف في ذكر الطلائع الأولى من المعلمين الجنود المجهولين الذين علموا فيها، ومنحوها كل جهدهم، وابتعدوا عن الدنيا متناغمين مع ثلوجها البيضاء، منعزلين عن العالم يومذاك لعدم وجود وسائط نقل آلية اليها، او وسائل راحة تكنلوجية ترفيهية حديثة كما هي الحال اليوم، لكن ربيعها الفتان، وصيفها البارد الخلاّب ومياها الرقراقة العذبة، كانوا كلهم يغرون المبتعدين عنها بزيارتها كل صيف والتنعم بمناخها اللطيف، رغم صعوبة الوصول اليها (دون الشهد ابر النحل). والبلدة رغم وقوعها في الأقاصي على الحدود العراقية التركية، أنجبت نخبة طيبة من المثقفين من معلمين ومهندسين ومحامين، وأطباء وموظفين منتشرين في دوائر الدولة وكهنة ورهبان واساقفة، خدموا ولا يزالون في الكنيسة الكلدانية ... وقد ذكر المؤلف كيف زارها المرحوم الملك غازي بن فيصل الأول ملك العراق عام 1939، وأعجب فيها اعجاباً كبيراً، دفعه الى أن يوصي بجعلها مصيفاً ملكياً، لكن وفاته المفاجئة بحادث سيارة بعد أشهر من زيارته ترك الأمر حبراً على ورق.
... أبناء سناط اليوم هم خير سفراء لها في أرجاء العالم، لأنك تجدهم منتشرين بكثافة في اوربا واستراليا واميركا، وكندا وبينهم العديد ممن يتبأون مكانة متقدمة في هذه البلدان بفضل ثقافتهم ونشاطاهم وحسن سيرتهم..
لم أشاهد سناط - للأسف - ولكنني كنت أعرفها بتفاصيلها منذ شبابي، فلقد عُشت في اواسط أربعينات القرن المنصرم ثلاث سنوات في دار المعلمين الريفية في المحاويل مع الأخ الشهم الرقيق المرحوم الأستاذ (يوسف زيتو عبد الأحد) الشقيق الأكبر للمؤلف، وكان يحدثني عنها دائما، ويوصفها لي بدقة، ويدعوني لزيارتها كل صيف، لكن لم يحالفني الحظ برؤية ذلك الفردوس الذي أفتقد على حين غرّه، وأصبح اليوم ذكريات يتداولها السلف الصالح لهذا الجيل الذي نشأ بعيداً عنها، لكن الأخ المؤلف الأستاذ أبا سلوان، يرويها لهم بكتابه هذا بأسلوب شيق جذاب، ويجعلهم يعيشون في رحابها، وعسى ان تعود يوماً بفضل التقدم العلمي الحديث الى أروع مما كانت، لقد بذل المؤلف جهداً طيباً في انجاز هذا السفر الذي كان شاهد عيان عليه، يضاف الى الأسفار الأخرى الصادرة عن بلداتنا الكلدانية أدعو القراء في الوطن والمهاجر الى الأطلاع عليه والتنعم بمباهجه، متنمياً للأخ الأستاذ جميل التوفيق والفلاح في حياته والصحة والهناء في تقاعده مع محبتي واحترامي.
بهنام سليمان متي
سان دياكو - كاليفورنيا
10 / 1 /2012
- علِّق
- قرأت 115 مرة
