يوم كان الحصار يشدّ من خناق الشعب العراقي، ويفتت عضده، ويشرد ابناءه في بقاع الأرض الواسعة. تعالت أصوات تندد بالهجرات التي اختمرت في أذهان بعض الشباب والشابات، معتبرة اياها ضياعاً لا ضرورة له، وكان المسيحيون جزءاً من تلك الفئات التي حملت لواء البعاد عن الوطن. مفضلة ركوب المخاطر. وطرق أبواب المجهول للوصول الى ملاذ آمن، تبنى فيه حياتها الجديدة بعيداً عن الحالة المعاشية المزرية التي عاناها العراقيون أيام الحصار اللعين، وكانت الكنيسة أولى مَن رفع صوته واقفاً بوجه تلك الهجرات، من أجل إبقاء قطيع الخراف موحداً متماسكاً في حماية الراعي الأمين، حتى لا يختل التوازن الأجتماعي في الوطن، يوم كان المسيحيون ولا يزالون هم الخميرة الصالحة في عجينة البلد، يمثلون الركن الأساسي في القوى العاملة المحركة في عراق المحبة والأخاء، وكنا نأمل أن تتوقف قوافل الهجرة بتفكك الحصار وتحرير البلاد من قبضة الدكتاتورية المتسلطة، لكن - للأسف- إختلت الموازين، وانقلبت الأمو رأساً على عقب، وأصبح العراق ساحة مفتوحة لدوامة العنف والقتل والخطف والتهجير، ولم يعد الأنسان آمناً على حياته وعرضه وبيته وماله، بل بات الأقتتال الطائفي ، والخوف والترهيب، سمة من سمات البلد الجريح، وفي خضم هذه الفوضى والصراع الدامي المرّ، لم يعدُ المسيحي المسالم الآمن يعرف ماذا يفعل، وهو يرى كنائسه تستهدف بالتفجيرات، وقسسه ورهبانه يخطفون ويعذبون ثم يقتلون، وبناته ونساءه يُسحبن من بيوتهن قسراً ليغتصبن ويصبحن إماءً وجواري لفئات ضالة لا تملك من ضمير الأنسان ذرة مثقال، ولا من مبادئ الأديان حفنة من الأيمان، فما كان أمام هؤلاء المساكين إلاّ الهجرة والهرب من هذا الجحيم منقذاً لهم ... جماعات حطت رحالها في قرى سهل نينوى المسيحية لتقاسم اخوتها هناك المأكل والمسكن، وأخرى هرعت الى كردستان الآمنة لتجد فيها الملاذ، والآف مؤلفة عبرت حدود البلاد نحو سورية والأردن، لتستقر فيها ريثما تنجلي الصورة، او لتلوذ بالدول الغربية طالبة اللجوء كما فعلت غيرها في سالف الأيام... هكذا تدهور الوضع في عراقنا الأم، وأخذ ينزلق يوماً بعد آخر نحو حرب أهلية لن تبقي على الأخضر واليابس، بل ستطحن الجميع في رحاها دون تفرقة أو تمييز، ولم يتأت هذا الاّ بسبب مشاحنات القوى السياسية القابضة على ناصية الحكم وتصرف وتهتك مليشياتها العابثة بالأمن فسادا، تهجّر هذا وتخطف ذاك، وتقتل كل من لا يجاريها في منحاها، والارهابيون والتكفيريون والسلفيون هم الأخر استغلوا هذا الفلتان الأمني فزادوا من النار اشتعالاً، يريدون العودة بحضارة الرافدين وانجازات العصر الى عهود الظلام المرة، في زمن يخطو العالم خطوات حثيثة نحو الأمام.
نقول لكل هؤلاء الضالعين في الاجرام، ولكل من يبيع الأوطان من أجل مصالحه الحزبية الطائفية الضيقة، أو سعيا وراء حفنة من الدولارات يريد ان يتخم بها بطنه الجائعة .. نقولها لهم صريحة واضحة، كفوا عن ضلالكم، وعودوا الى رشدكم واتقوا الله فيما أنتم فاعلون بهذا الشعب البريء، وحافظوا على وحدة هذا البلد الذي وضع ثقته فيكم ورفعكم الى مصاف المسؤولية لتخدموه وتنعشوه، لا لتفتتوه وتضيعوه وتقدموه لقمة سائغة لهذا الجار أو ذاك، فالتاريخ صارم لا يرحم، ودونكم سيرة أولئك الذين استهانوا بشعوبهم، كيف ذاقوا الموت الزؤام، فاتعضوا مما رأيتموه بأم أعينكم فيما سلف من الأيام، وأرحموا بلادكم .. بلاد الأرض الطيبة المعطاء ذات الزرع والضرع، والله يلهمكم ويهديكم سواء السبيل